الجامعات منطلق التنمية
لا خلاف أن التعليم الجامعي يمثل حجر الزاوية في التنمية الوطنية وكيفما يكن تكن التنمية، والدليل أن جميع الدول التي نجحت في الخروج من عنق زجاجة التخلف واللحاق بالعالم الصناعي الأول كان عبر تطوير التعليم، وفي مقدمته التعليم الجامعي. فالجامعات كمراكز تدريب وتثقيف وبحث مصدر التفكير الإبداعي والابتكارات التي تعتمد عليها الصناعة والقطاعات التنموية الأخرى. وقد ظلت جامعاتنا، وما زال بعضها، تدار بطريقة نمطية بيروقراطية صرفة تختزل مهمتها في تدريس الطلاب بأسلوب التلقين والحفظ والرتابة في التفكير والجمود في التعامل وغياب عن الواقع، نتج عنه فجوة كبيرة بين النظرية والتطبيق وتولد إحساس لدى الطلاب أن المعارف والمهارات التي يتلقونها بعيدة عن الواقع وبالتالي ليست مهمة وإنما عليهم دراستها للحصول على الدرجة والنجاح فقط. هذا الوضع لم يعرقل التعليم الجامعي ويقف حائلاً دون تحقيق أهدافه التنموية فحسب، ولكن خلق مفهوما سلبيا وخطيرا لدى الطلاب في أن التعليم للشهادة وليس للتعلم وفهم ما يدور حولهم وتحليل الواقع ووضع حلول إبداعية وإحداث تغيير في أفكارهم وميولهم وسلوكهم. أدى ذلك إلى أن تحول التعليم الجامعي ليكون متطلبا اجتماعيا أكثر منه متطلبا مهنيا! وإن كان ذلك ممكناً اقتصادياً واجتماعياً فيما مضى، إلا أن المنافسة الشديدة والتحول العالمي نحو اقتصاد المعرفة يجعل ذلك مستحيلاً، وسيحول دون إحراز تقدم في مسار التنمية الصناعية والانعتاق من حال الاعتماد على الغير. إن القوة الاقتصادية تبدأ بقوة التعليم الجامعي نوعاً وجودةً، وهذا يتطلب إحداث تغيير جذري في مفهوم التعليم والبحث الجامعي، وهو أمر لا يتأتى إلا من خلال قيادات جامعية تجلب أفكاراً وموارد جديدة وتخلق حراكا مؤسسيا وثقافة إدارية مبنية على الجدارة في التدريس وغزارة وجودة في البحوث التطبيقية. هذه القيادات هي عناصر التغيير التي من خلالها يمكن خلق تحول حقيقي في التعليم والبحث الجامعي.
إن إحداث نقلة نوعية في التعليم الجامعي يتطلب وضع معايير تقويم أداء على أساس الجدارة والتفوق والمنافسة واستحداث نمط إداري مرن وفعال يعتمد على التعاملات الإلكترونية. وسر النجاح في هذه المهمة يكمن في قدرة القيادات الجامعية في البحث عن الفرص أو محاولة خلقها وليس التفكير في العوائق والبحث عن مبررات العجز عن العمل. إيجاد الفرص يأتي من الأفكار الإبداعية والنظرة المستقبلية والثقة بالنفس وبالآخرين والعمل بروح الفريق وتقييم النتائج وليس الإجراءات الروتينية. هذه الميزات القيادية والمهنية لا يملكها إلا قلة متميزة من القياديين الموهوبين الذين يستطيعون وضع التصورات المستقبلية والعمل على تحقيقها. ومن أهم متطلبات ترجمة الرؤى والتطلعات ونقل الجامعات إلى العالمية هو التأسيس لنهج جديد يحولها من بيروقراطيات بطيئة السير تشكو من الركود إلى منظمات رشيقة بأهداف مستقبلية واضحة تستجيب لمتطلبات المجتمع، ومن التركيز على تطبيق الإجراءات الروتينية الورقية فحسب إلى تحقيق نتائج وتأثير ملموس وأداء حقيقي، ومن التغني بما تحقق إلى التطلع للمستقبل وعدم التوقف عند محطة واحدة من النجاح. إن رؤية تطوير نظام الجامعات يجب أن تنبع من إيمان عميق وعزيمة صادقة وثقة بالنفس واقتناع تام بأننا نستطيع بمشيئة الله أن نجاري الآخرين وأن نصل للعالمية.
لقد بات من الضروري تحويل الجامعات إلى مؤسسات غير هادفة للربح تدار خارج إطار التنظيم الإداري البيروقراطي وتتمتع باستقلال إداري ومالي تام. وينشأ مجلس أمناء بديل لمجلس الجامعة يكون أعضاؤه من خارجها يمثلون القطاعات الصناعية والاقتصادية والاجتماعية المختلفة بالمجتمع من أصحاب النفوذ والتأثير الاقتصادي والاجتماعي. هكذا ترتبط الجامعة بمحيطها وتؤثر وتستجيب للمتغيرات والمستجدات وتكون أكثر كفاءة وفاعلية في تلبية احتياجات المجتمع. هذا التنظيم الإداري يتطلب قيادات جريئة وذات رؤية بعيدة المدى وترغب في التغيير للأفضل ولا تستكين لمنطقة الراحة أو تستمتع بالأمان الوظيفي ووجاهة المنصب والتركيز على الشكليات الإدارية، ولكن شخصيات قيادية ريادية تدفع نحو سبر أغوار المستقبل والمجهول والبحث عن الأفضل والإعداد للقادم بمبادرات شجاعة ومبدعة. وهو أمر ليس سهلاً فتحريك المياه الراكدة والسعي في إحداث تغيير يخلق أعداء وعقبات وتحديات وضغوطا، ولكن ثمرته أداء الأمانة بإخلاص وتحقيق الأفضل.
الدلائل على أرض الواقع تشير إلى أن السعودية مقبلة على تطورات كبيرة وقفزات نوعية في جميع المجالات وهناك توجه نحو تطوير اقتصاد المعرفة من خلال تنمية الموارد البشرية. فهذه البعثات الخارجية والجامعات التي انتشرت في جميع مناطق المملكة بميزانيات ضخمة وإنفاق سخي عليها، جميع ذلك يؤكد عزيمة القيادة السياسية قولاً وعملاً على ارتقاء درجات أعلى في سلم الاقتصاد والحضارة العالمية. ولكن يبقى نجاح تلك المهمة الكبيرة مرهون بقدرة الجامعات على تحويل الإرادة السياسية إلى نتائج ذات تأثير حقيقي وإحداث نقلة نوعية في التعليم والبحث الجامعي يصب في اتجاه تطوير منتجات صناعية وابتكارات علمية وزيادة عدد براءات الاختراع. هذه المهمة العظيمة والمسؤولية الوطنية منوطة بمديري الجامعات والتوقعات أنهم على قدر المسؤولية ويعون تماما ما يجب عمله وبأي اتجاه.