صيف لندن وباريس

يتحدث الشاب بكل فخر إلى المذيع عن برنامجه كل صيف، حيث يقضي شهرا في لندن ثم يتوجه إلى باريس وبعدها مرة أخرى إلى لندن ثم إلى كان، ومنها شحن السيارات والعودة إلى السعودية. سيارات فارهة وشقق فخمة ومطاعم وسهرات يحييها شبابنا في أوروبا خلال الصيف. يعد استخدام السيارات التي تحمل لوحات سعودية هناك بمنزلة الدرجة العليا في الـ ''برستيج'' والمكانة بين الأقران. هؤلاء الشباب يعبثون بعيداً عن أعين أولياء أمورهم، لا يسيئون لذواتهم وأسرهم فقط، إنما لدولتهم بالكامل.
ينهي الشاب اللقاء ويتجه للسؤال عن مكان فلا يجد حوله من يتحدث العربية ويضطر إلى البحث عمن يترجم له كيفية العودة إلى ''إدجوار رود''. كل هذه المظاهر لم تشفع له بأن يعرف كيف ينطلق من نقطة إلى أخرى. يظل اهتمامه منصباً على خمسة أو ستة مواقع يمارس فيها هواية إبراز ''حلال الوالد''، خصوصاً أمام أبناء جلدته الذين يكونون قد خرجوا للصيف هناك ليبتعدوا عن مناظر مثل منظره ''المدلل''.
هل زار المسرح أو المتحف أو الموقع التاريخي في هذه المدينة التي يقصدها الملايين للسياحة؟ أبداً! هو الاهتمام نفسه وهم المجموعة نفسها من الأشخاص، ذكورا وإناثاً يريد أن يغيظهم أو يبرز عضلاته المالية عليهم. لا يعلم ''الحبيب'' أن الجميع يستخفون محاولاته تلك، ويرون أنه يسيء لذاته ووطنه بسلوكياته الطفولية تلك، لكنه لا يزال يحظى بنظرات الإعجاب للسيارة الفخمة التي يقودها وتحمل لوحات دولة أجنبية، فالناس معجبون بالسيارة وليس بمن يقودها.
تسبق المملكة في ترتيب دخل الفرد نحو 40 دولة، لكننا لا نرى من هذه الدول أي أطفال أو مراهقين يجوبون الشوارع متباهين بما يغدقه عليهم آباؤهم وأمهاتهم، سوى دولة أو اثنتين من دول المنطقة. هذا يثير كثيرا من علامات الاستفهام، فهذه الأموال التي تصرف بهذه الطريقة الهزلية، هي في الواقع مؤشر أنها ثروات جمعت من دون تعب لتذهب هباء أدراج الرياح .. فمن أين لهم ذلك؟
مناظر أخرى تسيء للوطن بأكمله يمارسها أبناؤه وبناته، فبينما ينهي السياح يومهم في التاسعة أو العاشرة مساء، يبدأ يوم السائح السعودي بعد ذلك ليقضي ليله يجوب الشوارع ويدخل المطاعم والمواقع التي لا تعمل سوى في هذه الأوقات. قضيت في مدينة باريس عشرة أيام، لم يتجاوز عدد السعوديين في الساعة العاشرة صباحاً عدد أصابع اليد الواحدة، وأكاد أجزم أن العكس يكون في الليل. فيا لنا من ''وطاويط''. أكثر ما يميز الليل هو الاستعراض اليومي للفتيات على شارع الشانزليزيه، وجلسات المراقبة اليومية على المقاهي لمشاهيرنا الذين يعيشون لا أعرف تفسيره عندما يجلس مواطنوهم أمامهم ويراقبونهم وهم يحتسون المشاريب ويتحدثون مع مرافقيهم كل يوم وكل صيف.
يقضي السائح من أي دولة في العالم من أسبوع إلى أسبوعين في أي دولة أوروبية، وقد يفعل ذلك مرة كل خمس أو عشر سنوات أو حتى مرة في العمر، أما سياحنا فيقضون ما يقارب ثلاثة أشهر في سياحة ترددية بين لندن وباريس وكان وجنيف وماربيا، ولكل منهم برنامجه الذي يبدأ عادة في لندن وينتهي بـ ''كان''.
هدف السياحة الترفيهي البحت وبرنامجها المكلف جداً يجعلاني أفكر في كيفية تمكن كثير من العائلات من قضاء كل ذلك الوقت وصرف كل تلك الأموال في عملية تبدو مملة بعد مرة أو مرتين من التطبيق، إلا أنها محاولة الظهور التي يصعب تحقيقها داخل الوطن.
الغريب أن كثيرا من هؤلاء السياح موجودون في مواقع معينة، وتبحث عنهم في غيرها فلا تجد لهم أثراً، ففي المدينة كثير من المساجد لكننا لا نراهم هناك، وينتشر المترو في كل أرجاء المدينة لكنهم لا يركبونه، ويوجد كثير من الأسواق والمواقع التي تستحق الزيارة إلا أنها لا تحظى منهم بأي اهتمام.
خرجت من مراقبتي لهذه الأعداد الكبيرة من المواطنين بخلاصة أنهم يوجدون جميعاً في موقعين أو ثلاثة، وإن خرجوا منها يحتاجون إلى دليل ومرشد سياحي لإعادتهم، وهو الدور الذي يتبناه كثير من أبناء العروبة في تلك العواصم مقابل مبالغ غير معقولة، بل إن بعضهم يرى في وجود هؤلاء كمترجمين أو مفاوضين ينوبون عنه مزيداً من الإثارة، علماً أنه لا يدري هل يسبونه أم يتآمرون عليه أم يخدمونه فعلاً.
كل هذا يهون لو أنهم يعطون انطباعاً حسناً عن الوطن، لكنهم بصراخ أطفالهم وتدني سلوكهم لا يفعلون ذلك. يمكن أن نفوت ذلك لو أنهم يحاولون أن ينقلوا بعض الحضارية في السلوك لوطنهم بعد عودتهم، لكنهم حتى ذلك لا يفعلونه، لينطبق عليهم المثل (تيتي تيتي .. مثل ما رحتي جيتي).

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي