حرب البذور

ليس كل ما تأتي به الحروب شر محض، بل قد تولد من رحم المأساة نعمة، ففي أثناء الحرب العالمية الثانية قام الطيار الأمريكي جالي هالفرسون بإلقاء الحلويات من طائرته الحربية على أطفال برلين متخذا شعار''الأمل في غد مشرق''، وألهمت هذه الحادثة أربعة باحثين فكرة جديدة لمحاربة التصحر وزيادة الغطاء النباتي الذي قضى عليه الإنسان إما بجهله أو متعمدا، حيث يفقد العالم كل عام نحو 691 كيلو متراً مربعاً من الأراضي الزراعية نتيجة عملية التصحر، لذا قاموا بتطوير فكرة بدأت منذ عام 1801، وعمل عليها المزارع والفيلسوف ماسانوبو فكوكا والتي تقوم على صُنع ''كرات من البذور''، وذلك بخلط البذور الجافة مع السماد والماء لتغذيتها، وإضافة الطين لعمل كرات تقاوم عوامل الطبيعة وتحميها من الطيور وتمكنها من النمو في أماكن بعيدة ومجدبة، وإضافة مواد لطرد الحشرات والحيوانات.
وفي عام 1973 قامت ليز كرستي بوضع بذور زهور برية مخلوطة مع الماء والسماد بداخل واقٍ بلاستيكي وقامت برميها هي وجماعتها ليلا من فوق الأسوار على الأراضي القاحلة في نيويورك لكي تعيد للأحياء جمالها ورونقها، واستخدم حينها ولأول مرة مصطلح ''قنابل البذور'' فيما سُمي بـ ''زراعة حرب العصابات'' فقد كانوا يزرعون النباتات بالقوة في أراض لا يملكونها أفسدها أصحابها برمي كرات البذور التي تشبه القنابل اليدوية، كما يحدث في حرب العصابات، ولكن السلاح هنا مفيد ومغذٍ في الغالب.
أما باحثونا الأربعة فقد وضعوا البذور في كبسولات مصنوعة من مواد عضوية ثم حملوها بالطائرات ووضعوها بدل الرؤوس الحربية ورموها في الأماكن المتصحرة والأراضي القاحلة، وعندما تسقط القنبلة تنغرس الكبسولة في التربة، وعند توافر الظروف المناسبة تتحلل وتنمو النبتة وكأنك وضعتها في أصيص! بدل نشر البذور كما هي. وكانت أول زراعة بهذه الطريقة قد تمت عام 1930 عندما قاموا بنشر البذور بواسطة الطائرات على جبال الهونولولو بعد حرائق الغابات لإعادة الغطاء النباتي. واستخدمت هذه الطريقة بكثرة في إفريقيا للوصول إلى الأماكن الوعرة، وفي أكثر من 30 دولة، إما بغرض الزراعة أو لإيصال رسالة سياسية.
والمدهش أن الغرب وأقصى الشرق من غير المسلمين يطبقون مبادئ ديننا الحنيف، أما نحن فلم نلتفت لهذا الجانب العظيم قال ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ: ''إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليفعل) لأهمية الزراعة والعمل وإعمار الدنيا حتى آخر لحظة رغم أن الفسيلة تحتاج من ثلاث إلى عشر سنوات لتنمو وتُثمر! وقوله ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ: ''ما من مسلم يغرس غرساً إلا كان ما أكل منه له صدقة، وما سرق منه له صدقة، وما أكل السبع منه فهو له صدقة، وما أكلت الطير فهو له صدقة، ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة''. انظر ماذا فعل ثور جوناس النرويجي الأصل مؤلف كتاب ''الجري'' وهو أول كتاب يكتب عن تاريخ الجري وأثره وارتباطه بتطور الحضارة، فعندما كانت دار النشر العربية تبحث عنه لتتفق معه على نشر كتابه باللغة العربية أخبرتهم وكيلته بأنهم لن يستطيعوا مقابلته قبل بداية السنة الجديدة فهو منشغل حتى آخر العام.. لم يكن كاتبنا الموقر خلال تلك الشهور منشغلا بالمقابلات الصحافية وفلاشات الإعلام.. إذا ما الذي شغله! عندما سألوا وكيلته أخبرتهم بأنه منشغل بزراعة ألف شجرة! وددت لو وضعت ألف علامة تعجب، يقول الناشر ولما أبدينا اندهاشنا الشديد وسألناها عن السبب، قالت لأنه باع عدداً كبيراً من النسخ حول العالم وبلغات عدة وشعر أنه تسبّب في أضرار كبيرة للبيئة بسبب الورق الذي استُخدم في طباعة كتبه فقام بحساب عدد الأشجار التي استخدمت لصناعة الورق الخاص بكتبه وقرر زراعة أشجار أخرى عوضاً عنها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي