العدو المفترض الحقيقي
كثيراً ما نسمع مصطلح العدو المفترض، خاصة من قبل الساسة الغربيين، وبالذات الساسة الأمريكان، وما من شك أن المصطلح غامض وضبابي وغير محدد، إذ لا توجد هوية لهذا العدو، وقد يكون أي أحد، أو أي أمة، أو أي دولة، وقد يكون مصدر تهديد حقيقي، أو قد لا يكون كذلك، إلا أن التأمل في المصطلح يكشف عن تفكير استراتيجي يجعل من يتبناه يطلق تهمة العدو المفترض نحو أي شخص أو أي أمة أو أي بلد دونما معرفة لأسباب كونه عدواً مفترضاً، وصديق اليوم هو عدو مفترض، وفق هذه الاستراتيجية في التفكير، لذا لا يمكن أن تثق الدول بعلاقاتها مع من يتبنى مثل هذا التفكير، إذ إنه، ولأي سبب من الأسباب، أو في حالة اختلاف في المصالح يتحول الصديق إلى عدو حقيقي، خاصة أنه ينظر إليه في الأساس على أنه عدو مفترض.
استراتيجية العدو المفترض تجعل من صاحبها متيقظاً حذراً مستعداً لأي ظرف من الظروف سواء كان الظرف مهدداً، أو غير ذلك، ولذا من الممكن اعتبار الشخص عدواً مفترضاً لأي أمر من الأمور، وربما قد يحاسب على نيته، لذا يكثر في الدوائر الأمريكية من شرطة وجهات تحقيق التأكيد على النية حتى أن البعض يحكم عليه بناء على مفهوم النية، ولا أدري كيف يتم التعرف على نية الفرد، وإدانته بالرغبة في تنفيذ جريمة من الجرائم مع افتقاد الأدلة التي تدينه.
العدو المفترض من الممكن أن يكون ذا خلفية مختلفة، إما ديناً وإما عرقاً، أو له تاريخ مختلف وثقافة مختلفة، ومنجزات من نوع ما، أو يتبنى نظاماً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً مختلفاً، وهذا كان سبب الحرب الباردة بين أمريكا من جهة والاتحاد السوفياتي من الجهة الأخرى عندما كان حياً، إذ إن الاختلاف في النظم السياسية كان أحد الأسباب في اعتبار كل طرف عدواً للآخر. الاختلاف في المصالح بين الأفراد وبين الدول بشكل أخص يمثل سبباً من أسباب اختلاق العدو المفترض وافتراض وجوده في أي لحظة وفي أي مكان في العالم. الموارد الطبيعية كالنفط، والمعادن، والمياه، والغابات تمثل سبباً يخلق عدواً مفترضاً أو محتملاً حتى إن كان هذا العدو المفترض ليس له من القوة ما يؤهله للمنافسة، لكن الخوف من أن يصبح قوياً ومنافساً مفترضاً يفرض على الدول أو الأفراد الذين يفكرون بهذه الطريقة اعتباره عدواً، والعمل على إضعافه، وخلق كل الظروف التي تحول بينه وبين الوصول إلى مستوى القوة التي تؤهله للمنافسة أو التفكير في ذلك.
القرآن الكريم أشار في قوله تعالى ''وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل''، فهذه الآية لم تحدد عدواً بعينه، لكنها جعلت العدو أو الأعداء في صورة الإجمال، إذ إن العدو في هذه الحالة قد يكون من يختلف عنا في العقيدة، لكن الاختلاف في العقيدة لا يبرر الاعتداء عليه، لكن أخذ الحيطة والحذر منه والاستعداد لأي احتمال. أو من يعتدي علينا في أوطاننا، ولذا فالحاجة ماسة إلى أخذ الحيطة والحذر وأخذ الاستعداد لكل الاحتمالات التي قد تحدث في أي وقت، أو قد تصدر من أي طرف.
الركون إلى الشعور بالأمن المطلق وافتراض عدم وجود أعداء يجعل الفرد في حالة من الركود والاطمئنان المميت، تفقد الفرد أو الوطن الجاهزية والاستعداد، لذا يصاب بالصدمة لأي حدث أو تحرك عدواني من أي جهة، لأنه يجد نفسه غير مستعد لمواجهة الأمر الطارئ. لذا نحن في حاجة إلى إعادة تشكيل طريقة تفكيرنا لنكون أكثر استعداداً وتيقظاً، وذلك بافتراض أن الصداقة لا تدوم، وأن المصالح لكثير من الدول مقدمة على القيم والأخلاق، وقد ينقلب علينا الصديق المفترض إلى عدو حقيقي، بل إنه قد يكون عدواً قبل أن يكون صديقاً.