اقتصاد الفساد

المقصود بكلمة فساد ما تعنيه الكلمة الأعجمية corruption، وجوهره استغلال الوظيفة على نحو غير مشروع.
وأظهرت دراسات كثيرة جدًّا أن استشراء الفساد الوظيفي يعني الإضرار بالنمو الاقتصادي ورفع التكاليف والأسعار وإنتاج بنية تحتية كثيرة العيوب. تلك المضار لا تخفى على الناس.
انتشار الفساد يعني فقد الثقة بين الناس. وفقد الثقة يعني طلب مزيد من التنظيمات والتدخلات الحكومية. لكن هذا الطلب يصطدم بواقع أن الحكومة في أي بلد حقيقة عبارة عن موظفين، وفقد الثقة بين الناس يعني أن هؤلاء الناس ينظرون أيضا إلى موظفي الحكومة بمنظار فيه فقد ثقة.
تبدو العملية تدور في حلقة مفرغة: فقد الثقة يحفز على التدخل الحكومي، والتدخل الحكومي يحفز على فقد الثقة. وهذا يعني عدم وجود نقطة توازن واحدة بل عدة نقاط توازن. وللتوضيح تكثر عبارة توازن في المناقشة الاقتصادية. وأبسطها السعر الذي يتفق عليه البائعون والمشترون، ومن ثَمَّ يسمى سعرًا توازنيًّا، ولولا ذلك لما تم بيع ولا انعقدت صفقات.
ووجود عدة نقاط توازن يعني وجود نقطة توازن مرغوب فيها (أو أقرب إلى أنها كذلك) من الطرفين ونقطة غير مرغوب فيها من الطرفين. الأولى تعكس- عادة- درجة عالية من الثقة ودرجة منخفضة من التدخل الحكومي. والثانية تعكس درجة منخفضة من الثقة ودرجة عالية من التدخل الحكومي.
كلما زادت الثقة قلت الحاجة إلى التوثيق والضبط والتنظيم. والعكس بالعكس. ومن ثم تكثر المطالبة بالتدخل الحكومي مع تفشي الفساد. والتدخل والتنظيم الحكومي يزيد من تقييد حرية الناس الاقتصادية. والتقييد ينعكس سلبًا على مناخ الاستثمار. ولذا ينتشر الفساد في الدول الأكثر فقرًا أكثر من الدول المتقدمة اقتصاديًّا، ربما وبصورة جزئية، استثني الدول الغنية بموارد طبيعية ثمينة كالنفط. ومن أسباب ذلك انتشار الأنشطة غير المشروعة أو المسموح بها قانونًا. وهذا يعطي حكومات تلك الدول مبررات للتوسع في التدخل في الاقتصاد بطرق شتى. ولكن التوسع في التدخل يجلب لموظفي الحكومات فرص فساد، أي استغلال سلطاتهم بطرق لا يسمح بها النظام لتحقيق منافع شخصية.
ودلت دراسات أجريت في عدة دول على أن حكومات تلك الدول تدفع ما بين 20 و50 في المائة زيادة على الأسعار التي ينبغي أن تدفعها، ومرد هذه الزيادة فساد في ذمم. حتى الفقراء والمساكين لم يسلموا من ضرر مباشر لفساد ذمم، فأحيانًا تضطر وكالات غوث إلى دفع رشا كبيرة لأجل السماح بإيصال المعونات إلى الفقراء.
وانتشار الفساد يعني أداء اقتصاديًّا أقل. وسوء الأداء الاقتصادي له علامات على رأسها البطالة والغلاء والركود والديون. ومن علامات سوء الأداء الاقتصادي سوء الخدمات العامة التي تمس حياة الناس، ككثرة انقطاع الكهرباء ونقص مياه الشرب وتفشي الغش والتلاعب، وإفراغ السياسات الاقتصادية كالخصخصة من مضمونها. ومن أمثلة هذا المضمون توسيع دائرة الطبقة الوسطى، وتحسين توزيع الدخل ورفع إنتاجية العامل وزيادة دخله. وعندما تنتج سياسات الخصخصة نتائج لا تنسجم مع هذا المضمون فهذا يعني وجود مشكلة كبيرة.
من أبواب الفساد في الخصخصة اتباع سياسة خصخصة ممنهجة على أساليب غير مهنية. ومن الفساد التلاعب والتحايل من كبار أو صغار المستثمرين في وجوه استثمارية عديدة كسوق الأسهم وتوظيف الأموال.
يساعد على العلاج تحقق الشفافية الإدارية والمالية والمحاسبة والمتابعة وتعديل المكافآت والحوافز والعقوبات، وانتشار ثقافة النزاهة الوظيفية، وأن كل فرد تحت طائلة المساءلة، سواء كان الشخص كبيرًا أو موظفًا صغيرًا. ومن المهم زيادة تفعيل عمل إدارات وهيئات الرقابة والمكافحة. كما يدخل فيه تطوير الثقافة الإدارية والتنظيمية في الهيئات نفسها، وتزويدها بالعناصر البشرية في تخصصات كثيرة، مع الاهتمام بالتدريب وتوظيف الكفاءات.
أختم هذه المقالة بحديث ذي صلة في صحيح البخاري عن رجل استعمله النبي - صلى الله عليه وسلم - على مال عام ''... فلما قدم (الرجل) قال هذا لكم وهذا أهدي لي، فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ما بال العامل نبعثه فيأتي يقول هذا لك وهذا لي، فهلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا...''.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي