الديزل يعبث بصحتنا وبيئتنا
تتعرض أعداد كبيرة من سكان العالم يوميا لملوثات الديزل المنبعثة من عوادم السيارات ووسائل النقل الأخرى مثل القطارات والسفن ومن مولدات الكهرباء والمصانع. وأصبح لدى الخبراء اليوم ما يكفي من الأدلة للبرهنة على أن التعرض للغازات المنبعثة من محركات الديزل يرتبط بأمراض كثيرة وخصوصاً أمراض الجهاز التنفسي والأوعية الدموية، ويمكن أن تؤثر انبعاثات الديزل حتى في العصب البصري والمخ والمركز العصبي. ويشبه الكثير من المختصين مخاطر التعرض لانبعاثات الديزل بمخاطر التعرض للتدخين السلبي. ويقدر بعض المراقبين بأن ما يصل إلى 40 في المائة من العاملين في خدمات الشاحنات والقطارات يعانون معضلات تنفس لها ارتباط بالديزل، كقصر النفس، والأزمة، والحساسيات التي تتكاثر مع التلوث. وتؤثر انبعاثات الديزل في صغار السن بدرجة أسوأ، حيث ينتج عن انبعاثات الديزل المستخدم بحافلات الديزل مخاطر صحية على صحة الأطفال وخصوصاً أجهزتهم التنفسية. وتستخدم الأغلبية الساحقة من حافلات المدارس في المملكة الديزل يعاني معظمها بشكل كبير سوء الصيانة وتصاعد السموم من عوادمها متسببةً في توليد كميات كبيرة من الملوثات.
وبعد أسبوع من الجدل أكدت منظمة الصحة العالمية في 19 حزيران (يونيو) 2012 أن هناك علاقة أكيدة بين أورام الرئة والديزل وأن هناك شكوكا بوجود علاقة لاستخدام الديزل مع سرطان المثانة. واستند خبراء المنظمة إلى دراسة شملت أشخاصا يتعرضون لمعدلات كبيرة من الغازات المنبعثة من محركات الديزل، مثل العاملين في المناجم وخطوط السكك الحديدية وسائقي الشاحنات. ودعت المنظمة حكومات دول العالم لاتخاذ إجراءات عاجلة للحد من مخاطر انبعاثات الديزل، وخصوصاً في المناطق التي تزداد فيها معدلات التلوث. ويتطلب تقليل مخاطر الإصابة بالأمراض الناتجة من تلوث الديزل سنوات عديدة من تطبيق إجراءات وسياسات خفض انبعاثاته.
إن ناقوس الخطر الذي دقته منظمة الصحة العالمية عن انبعاثات الديزل يتطلب ضرورة تحرك الجهات المسؤولة في المملكة مثل وزارة المواصلات ووزارة البترول ووزارة الصناعة والكهرباء، وبصورة عاجلة للحد من آثار الانبعاثات الخطرة في البيئة والصحة العامة. وهذا يستدعي إجراء إصلاحات هيكلية لتغيير السياسات المرتبطة بإنتاج واستخدام الديزل. وتؤثر سياسات تسعير الديزل في حجم الاستهلاك، كما تؤثر معايير ومواصفات الديزل المستخدم في المملكة بحجم الانبعاثات الضارة الناتجة عن استهلاكه. ولا تعتبر نوعية الديزل المستخدم في المملكة جيدة بيئياً مقارنةً بالديزل المستخدم في الدول المتقدمة، حيث ترتفع نسبة الكبريت في الديزل المستهلك في المملكة والذي يتسبب في أضرار صحية كبيرة. وللحد من مخاطر استهلاك الديزل، فإن هناك حاجة ماسة أيضاً لتغيير مواصفات المركبات والأجهزة والآلات المستخدمة للديزل التي تنتج انبعاثات ضارة تتسبب في مخاطر صحية جسيمة على السكان. وترتفع المخاطر بقوة في المناطق القريبة من المناطق الصناعية أو القريبة من الشوارع والطرق الرئيسة المكتظة بالحركة المرورية.
وشجعت الأسعار المحلية المتدنية للمنتجات النفطية بشكل إجمالي وللديزل بصورة خاصة على الإكثار من استخدام المنتجات النفطية وخصوصا الديزل، كما شجعت أسعار الديزل المنخفضة نسبياً مقارنة بأنواع الوقود الأخرى على الإفراط في استخدامه وشجعت على التحول من استخدام المنتجات النفطية الأخرى في المركبات والأجهزة والآلات والمصانع إلى استخدام الديزل. وقد تصاعد استهلاك المملكة خلال السنوات الماضية من المنتجات النفطية بوجه عام ولكن النمو في استخدام الديزل فاق النمو في أنواع المنتجات النفطية الأخرى. ويتجاوز استهلاك المملكة من الديزل 700 ألف برميل يوميا في بعض الأحيان، وإذا ما أضيف زيت الوقود الأكثر تلويثاً إلى الديزل فقد يتجاوز استهلاك المملكة مليوني برميل يومياً. وللحد من سرعة التحول لاستهلاك الديزل ينبغي تصحيح الأسعار النسبية مقارنة بالمنتجات النفطية الأخرى, بحيث لا تشجع أسعار الديزل المنخفضة على زيادة حصته في الاستهلاك المحلي من المنتجات النفطية. ومع أن تصحيح الأسعار النسبي سيحد من النمو في استهلاك الديزل إلا أن انخفاض أسعار المنتجات النفطية بشكل إجمالي يشجع في إهدار استهلاكها مما يساهم بصورة فعالة في زيادة مستويات التلوث والذي يضر بالصحة العامة. ويلاحظ أن معظم مركبات الديزل في المملكة تنتج غيوما من الأدخنة والملوثات عندما تتحرك، بينما لا ترى هذه الأدخنة في البلدان المتقدمة والتي يستخدم فيها الديزل، ويرجع هذا إلى نوعية الديزل المستخدم ومواصفات المركبات المستخدمة له. فمتى نتحرك للحد من العبث الذي يسببه استخدام الديزل في صحتنا وبيئتنا؟