التعليم غير الربحي لتعزيز جودته وتخفيض تكلفته
التعليم من أعظم الوظائف التي يؤجر عليها المرء، وهو وظيفة الأنبياء والأخيار في كل زمان، واهتمام الإسلام بالعلم والعلماء والمعلمين أمر معروف وشواهده كثيرة، بل إن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو معلم هذا الدين، وسلك بعده أصحابه هذا الطريق فاستمر فيهم التعليم والتعلم، بل إنه من المعلوم من حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الإنسان إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث، منها العلم الذي ينتفع به، ولهذا كان العلماء قديما وحديثا حريصين على تعلم العلم وتعليمه. لذلك كان الإنفاق على العلم والمعرفة وطلاب العلم كبيرا في التاريخ الإسلامي، وكان لذلك أثر كبير في النهضة العلمية التي يمتع بها العالم الإسلامي قرونا طويلة، وفي هذا العصر الذي أصبح العلم جزءا رئيسا يصعب على الإنسان العيش دونه، إذ إن أقل مستوى من المهارة للعمل والعيش يتطلب على الأقل فترة دراسية إلى المرحلة الثانوية، ومع الوقت أصبح التعليم أكثر ضرورة وسقف الحد الأدنى منه يزيد في كل فترة.
كل هذا يؤكد أن العلم لم يصبح فقط حاجة أو فرض كفاية، بل إن هناك منه ما يصل إلى الأهمية التي يصعب على الإنسان العيش دونه، وهذا يعود بنا إلى أهمية الإنفاق على العلم وتعليم المجتمع والارتقاء بالمستوى المعرفي له، وذلك للوصول إلى الحد الأدنى على الأقل من متطلبات العيش الكريم، ومن ثم المنافسة للارتقاء بالمستوى العلمي العام للمجتمع بين مختلف دول العالم، وهذا من متطلبات الوصول إلى مجتمع المعرفة الذي أصبح هدفا استراتيجيا على المستوى الوطني.
ولذلك من المتصور أن الإنفاق على العلم أصبح ذا أهمية كبرى سواء على المستوى الحكومي أو المجتمع، والإنفاق لا يقتصر على البناء والتجهيزات، رغم أهميتها، إلا أنها تتطلب الاستدامة في مثل هذه البرامج والمشاريع. من أبرز البرامج التي يمكن أن تدعم التعليم وتجعل له أثرا كبيرا في المجتمع هو ما يسمى اليوم المؤسسات غير الربحية، وهذه المؤسسات تسمى أحيانا القطاع الثالث غير القطاع الحكومي والخاص، ويدخل في مثل هذه المؤسسات الخيرية والمؤسسات الاجتماعية، وغيرها من المؤسسات التي لا تهدف إلى الربح، وليست تندرج في إدارته القطاع الحكومي وإن كانت تدخل عموما ضمن نظامه. هذه المؤسسات تقدم خدماتها مجانا للمجتمع، وهذا له أمثلة كثيرة من خلال برامج المؤسسات الخيرية للفقراء على سبيل المثال، وهناك مؤسسات - وهي ما تسمى غير الربحية - تقدم خدماتها بمقابل وليس بالمجان بغرض إعادة استثمارها في النشاط نفسه، والاستمرار في تطويره وتحسين كفاءته وأدائه، ولتلبية طموح المجتمع واحتياجاته، وهذا القطاع له اهتمام بالقطاعات الخدمية التي تخدم المجتمع بشكل عام باختلاف مستويات الدخل فيه، خصوصا في مجال التعليم والصحة، لذلك نجد في كثير من الدول المتقدمة مشاريع كبيرة قائمة تصنف ضمن المؤسسات غير الربحية، رغم أن من ينظر إليها لأول وهلة يجد أنها تدار بآلية مقاربة للقطاع الخاص لا تختلف عنه كثيرا من جهة تقديم خدماتها بمقابل، ومن جهة توظيف كوادر جيدة في مؤسساته.
التنظيم الحالي للتعليم النظامي في المملكة في الغالب تقوم الحكومة بالدور الرئيسي فيه فأكثر المدارس في المملكة حكومية، وبعض المدارس تصنف على أنها من القطاع الخاص، وإن كان هناك من المستثمرين من يريد أن يطور في التعليم وأحيانا لا يستهدف عوائد من مشاريعه في هذا المجال إلا أنها في هذه الحالة تعامل في هذه الحالة مثل القطاع الخاص. المؤسسات غير الربحية عموما وفي التعليم بشكل خاص تحتاج إلى نظام يساعدها على زيادة فرص نجاحها، خصوصا أنها تعتني بالجودة وتلبية احتياج المجتمع، وهذا قد يؤدي إلى تخفيض تكلفة التعليم غير الحكومي، خصوصا نحن نرى المبالغة في كلفته في القطاع الخاص، وإن كان الهدف ألا يكون رخيصا إلى درجة أن يؤثر في الجودة في التعليم.
تنظيم التعليم غير الربحي يتطلب وضع نظام مخفز للاستثمار في هذا القطاع، لأن طبيعته تحفز استدامته، نظرا لأنه يحقق عائدا يدعم استمراره. تنظيم القطاع غير الربحي يمكن أن يجعل له بعض الامتيازات والدعم الحكومي، إضافة إلى قبول التبرعات من المقتدرين المؤمنين بأهمية التعليم.
الخلاصة التعليم غير الربحي يحفز بشكل كبير على جودة التعليم، ويدعم استدامة الأعمال التي تخدم المجتمع ويتيح فرصا لرجال الأعمال والمقتدرين ماليا وعلميا لتقديم تبرع وخدمة تعود بشكل إيجابي على المجتمع، إضافة إلى أنه قد يخفض تكلفة التعليم على أفراد المجتمع.