رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


استعادة توازن التركيبة السكانية في دول الخليج

تضمن تعليق أحد قراء مقالي عن ''التعاملات الإلكترونية''، حديثاً عن امتداح سائق سيارة أجرة كان يستقلها القارئ لنظام المرور في الإمارات وسعادته بقيمة المخالفات التي تتدرج من 600 إلى 1100 درهم لمخالفات السرعة باعتبارها وسيلة لحماية الأرواح. قارنت هذا بالشكاوى والتذمر الذي ينتشر من نظام ''ساهر'' لدينا، والذي ينظر له الكثير على أنه نظام جباية، لا أكثر.
أتوقع أن السبب يكمن في البيئة الاجتماعية والقانونية والمفاهيم الثقافية التي تنتشر في كل من البلدين. أذكر أنني كنت أستغرب الدماثة التي تنتشر في تعامل الجميع، والابتسامة التي نشاهدها على كل وجه. مقابل العصبية العجيبة عندنا خصوصاً في الشوارع، والتي تبناها الأجانب الذين يعيشون بيننا. مهمة البحث في الأسباب ستنتج بلا شك أطروحة مهمة في علم الاجتماع للمختصين. لكني لست بصدد البحث في الأسباب بقدر ما أهتم بتداعيات هذه الراحة النفسية على توازن التركيبة السكانية في دولة مثل الإمارات، بل وفي دول الخليج جميعاً.
أذكر أنني قرأت ـــ قبل أربعة أعوام ـــ أن نسبة الأجانب في إمارة دبي كانت 83 في المائة. قبل أيام، ورد على لسان الدكتور عبد الله النفيسي، ما نصه: ''يقال إن نسبة المواطنين في دبي لا تتعدى 5 أو 7 في المائة وهذه مشكلة أمنية فلو خرج الأجانب وأمسكوا أهل الإمارة باليد وليس بالسلاح لاستطاعوا القضاء عليهم''. هذا التطور الخطير بزيادة الأجانب بنسبة 10 في المائة خلال أربع سنوات، هو مؤشر يمكن تطبيقه على أغلب دول الخليج.
يمكن من خلال هذه القضية ـــ المهمة جداً ـــ التأكد من أن هذه الدول ليست حريصة بما يكفي على حماية توازن التركيبة السكانية. يميل الكثير من الأجانب في دبي (خصوصاً) إلى البقاء سنين طويلة، وبعضهم يخطط ليعيش باقي حياته في الإمارة بسبب ما توفره من فرص وظيفية وإمكانية ممارسة النشاط التجاري، إضافة إلى الأنظمة التي تسمح باستقدام العائلة وإمكانية حصول الأبناء على أعلى الدرجات العلمية في الجامعات المحلية، والراحة النفسية التي ذكرت في بداية المقال.
تعيش دول الخليج طفرة اقتصادية تاريخية وتعمل كل دولة ـــ بطريقتها ـــ على الاستفادة من هذه الطفرة، لكن المهم أن تكون الاستفادة مبنية على قواعد تراعي حركة الأموال ضمن الاقتصاد وحماية الأمن الوطني، إضافة إلى ربط الاستثمارات بالسوق المحلية، والحد من خروج الثروات من الدولة. هذه عملية معقدة وتحتاج إلى رقابة شديدة على حركة رؤوس الأموال والاستثمارات وارتباطها بالاقتصاد العالمي، خصوصاً أن الاتفاقية العامة للتجارة والتعرفة (الجات) تتيح لمن يشاء الفرصة للاستثمار ونقل الاستثمارات دون التقيد بالحدود السياسية للدول.
دفع هذا الكثير من الدول ذات الاقتصادات (الهشة)، وأعني بها تلك التي تعتمد على الخدمات والتجارة أكثر من اعتمادها على الصناعة للبحث عن مخارج تحميها من فقدان بنيتها الرأسمالية. اقتصادات دول مجلس التعاون تعتمد في الدرجة الأولى على الخدمات وحتى الصناعة القائمة ليست محصنة بما يكفي لتعيش الدول على إمكاناتها الذاتية دون الحاجة لاستيراد العمالة والاعتماد على المواد الخام الآيلة للنضوب.
ليس هناك ما يمنع أن تقوم دول المجلس باستيراد العمالة من الخارج نظراً لعدم توازن التعداد السكاني مع القدرة الاقتصادية لهذه الدول. لكن هذه العملية يجب أن تحكمها عناصر مهمة، تشمل:
- حماية المكتسبات الاقتصادية من خلال تقليل عدد سنوات بقاء العمالة الأجنبية في الدولة، لأن الكثير من العاملين يفقدون الهوية ويذوبون في التركيبة الاجتماعية خلال ست إلى ثماني سنوات.
- حماية الهوية الوطنية في جميع أوجه الخدمات وتشمل الاعتماد على اللغة العربية، والحد من توفير التعليم من خلال المدارس الأجنبية، حماية التراث والثقافة وتأصيل مفاهيم الوطن وحبه والمحافظة على العادات والتقاليد في قلوب الناشئة.
- فتح الفرص الوظيفية لأبناء دول المجلس الراغبين في العمل في دول أخرى واعتبارهم جزءاً من عملية التنمية السكانية للدولة نفسها لتقارب الأسر والمفاهيم والأهداف.
- إعادة دراسة النسبة والتناسب بين العاملين من جنسيات مختلفة، حيث لا تطغى جنسية على باقي الجنسيات، وخصوصاً الجنسية الإيرانية ـــ التي يجب أن تعيد دول المجلس دراسة وضعها من ناحية أمنية في الدرجة الأولى.
- عدم تشجيع استقدام الأسر خصوصاً للعاملين في القطاعات المستهدفة بالتوطين كالوظائف الهندسية والتقنية والإدارية أو الوظائف ذات المردود العالي كوظائف تجارة ومبيعات التجزئة.
يجب أن يتماشى الاهتمام بتحسين الوضع الاقتصادي لدول المجلس مع الاهتمام بحماية المكتسبات وتوفير فرص حياة أفضل للمواطنين. خصوصاً أن التقلبات السياسية والأمنية تشير إلى مخاطر كبرى تواجه جميع هذه الدول، دون استثناء. وأزعم أن فكرة الاتحاد الخليجي التي أطلقها خادم الحرمين الشريفين هي بمثابة أول وأهم خطوات حماية دول المجلس.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي