رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


شركة الخدمات الأرضية تستبدل السعوديين بسعوديات

كلما أقرأ عن هيئات أو مؤسسات عامة في المملكة، وأقارن بينها وبين مثيلاتها في دول العالم التي تحولت نحو التخصيص، وحققت نجاحات باهرة، أتأسف على كل الشهادات العلمية والخبرات الوظيفية التي يتمتع بها كبار المسؤولين الذين يشغلون مناصب قيادية أو استشارية في مجالات المالية والإدارة والتخطيط في المملكة. خبرات في البنك الدولي والأمم المتحدة وصندوق النقد و''أوبك''، وممارسات مهنية واحتكاك بوزارات وهيئات وشركات في دول أمريكا والاتحاد الأوروبي وشرق آسيا، لم تحقق نتائج إيجابية في تحويل قطاعات ربحية للتخصيص.
التخصيص، علامة النجاح الفارقة التي تبحث عنها كل دول العالم. البعد عن البيروقراطية والبحث عن الربحية وتقديم الخدمة بأسلوب راق ومتطور، تقليل التكاليف وتحويل المنشآت من خانة المصروفات إلى خانة الإيرادات، ضمان الديمومة والبعد عن تأثير الأشخاص في النتائج النهائية للأعمال، هي بعض مزاياه. يعتمد التخصيص وسائل علمية للمحاسبة والمراجعة والتدقيق في الأعمال والأنشطة. أكاد أجزم أنها ستعيد الحياة لشرايين الدولة التي أغلقها (كوليسترول القطاع العام).
أسقطت نظريات التعميم أقوى دولة في العالم وهي الاتحاد السوفياتي. كما أيقظت التنين الصيني الذي اكتشف أنه إن لم يخصص ويدعم التخصيص فهو ذاهب إلى النهاية التي ذهب نحوها شريكه السابق في القيم والمفاهيم السياسية والاقتصادية، والكل يشاهد ما يحدث في الصين اليوم. تقع دول كثيرة في أمريكا الجنوبية ضحية للتعميم ويستمر الهدر فيها لتبقى سجينة للبيروقراطية. العالم العربي بدوره يحظى بحقه من التعميم الذي يقتل الإبداع ويدفع الدول والحضارات إلى الخلف.
تبرز في العالم العربي الإمارات التي اتخذت التخصيص وسيلة للتحول الاقتصادي والاجتماعي، بعدما ثبت للجميع أن الدولة لا تستطيع أن تفعل كل شيء، وإن فعلت شيئاً فالمخْرَج سيكون باهتاً وغير متفاعل مع التطور ومتطلبات العصر وفاقداً الحيوية. أزعم أن المحاسبة، والشفافية، واعتماد المنشأة على قدرتها الذاتية في البقاء هو السبب الذي أدى للنجاح. يضاف إلى ذلك - في حالة دبي - التنافس المحموم نحو الإبداع الذي غذته طريقة إدارة الدولة. فإدارة الدولة تعتمد مفهوم إدارة شركة كبيرة.
تبرز، في هذا الإطار، شركة موانئ دبي التي سيطرت على موانئ العالم لدرجة أنها كادت تستولي على أغلبية موانئ الولايات المتحدة لولا محاربتها من الكونجرس الأمريكي، وهي تحقق اليوم أكثر من 18 في المائة من إيرادات إمارة دبي. يمكن تطبيق الفكرة على المؤسسة العامة للموانئ في المملكة، وهي من من القطاعات التي يمكن خصخصتها بسهولة لأنها تدر أرباحاً على الدولة بوضعها الحالي فتخيلوا كيف سيكون أداؤها لو خصخصت بطريقة علمية، هذا قطاع جاهز للتخصيص - الحقيقي - الهادف إلى الربح وتحسين كفاءة الأداء.
نجحت فكرة التخصيص في المملكة نجاحاً محدوداً في شركة الاتصالات السعودية. هذا النجاح (المحدود) سببه استمرار ارتباطها (المعيق) بالقطاع العام ابتداء بمجلس الإدارة الذي يعتبر العقل الموجه للأنشطة كافة. فالدولة هي أكبر المستثمرين وأغلبية أعضاء مجلس الإدارة يمثلون جهات حكومية، في الواقع ليس مهماً أن تربح الشركة لأنها أقرب للوظيفة العامة. شركة تبيع المجال الكهرومغناطيسي، بمعنى آخر (الهواء) ومع ذلك نجاحها محدود بسبب أسلوب التخصيص الذي يحتاج إلى إعادة دراسة جذرية. يمكن الحكم على نجاح تخصيص هذه الشركة من خلال مقارنة أدائها بشركة اتحاد اتصالات، وهي في الأساس مؤسسة حكومية تم تخصيصها، لكن على أسس مختلفة.
تناول الكثيرون قضية تخصيص أخرى، وهي تخصيص ''الخطوط السعودية'' وهي قضية بدأت قبل نحو 40 سنة. سيستمر النقاش والحديث - دون فعل – ما دام القرار الحاسم لم يصدر بالتخصيص. كتبت – ومثلي كثير – عن مقارنة ''الخطوط السعودية'' بشركات لم تكن موجودة، وأصبحت تتقدم على ''السعودية'' بخطوات كبيرة في الإيرادات والأرباح ومستوى الخدمات والوجهات. القرار الذي اتخذته المؤسسة بالتخصيص الجزئي من خلال تحويل المؤسسة إلى قطاعات، هو العائق الحقيقي - في رأيي.
استمرت الشركات الجديدة تحت جناح (أمها الكبيرة)، وهي ''الخطوط السعودية''. وعملت على محاولة إثبات الذات بوسائل غير ملائمة للوضع الاقتصادي للمجتمع الذي تعمل فيه. أهم قرارات هذه الشركات رفع مستحقات وأجور الإدارة العليا وخفض رواتب الفئات العاملة في المراتب الأدنى، وهو نذير الفشل. الغريب أنه منذ بدأت عملية تخصيص قطاعات غير مهمة في ''الخطوط''، ارتفعت تكلفة ''الخطوط'' على الدولة بخمسة مليارات ريال سنوياً، وبهذا خالفت ''السعودية'' كل نظريات التخصيص فأصبحت كـ (المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى)، ''السعودية للتموين'' مثال حي على ذلك.
يأتي خبر الاتفاق بين شركة الخدمات الأرضية - المخصخصة حديثاً - وصندوق الموارد البشرية على أن توفر وظائف للسعوديات في مجالات تسليم بطاقات صعود الطائرة ووزن العفش وتفتيش السيدات، ليوضح كيف أن هذه الشركات تعيش بعيداً عن الواقع. يقول الخبر إن هذه مساهمة كبيرة من الشركة في سعودة هذه الوظائف وتأنيثها. وبغض النظر عن النواحي الاجتماعية والسلوكية والشرعية المتعلقة بهذا الموضوع، وهي ليست مجال بحثي. أجدني مضطراً لأن أشكر صندوق الموارد البشرية، وهو مصدر طيب الذكر ''حافز''، لأنه سيوظف سعوديات على كاونترات المطارات بدلاً من الشباب السعودي الذي سيتولى أمره الصندوق ليضيف الشباب إلى ''حافزه''، من قبيل تبادل المراكز. هل رأى أحد منكم أجنبياً في أي من مطارات المملكة الـ 27 يسلم الركاب بطاقات صعود الطائرة أو يزن عفشهم؟

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي