رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


فقيد الأمن والشعب

من يقرأ قصيدة أبو الحسن التهامي حين رثى ابنه قبل أكثر من عشرة قرون يجد فيها كثيرا من العزاء في فقيد الشعب والأمن السعودي الأمير نايف بن عبد العزيز - رحمة الله عليه - لكن الجميل في هذه القصيدة أنها رغم وصفها الموت بطريقة قلما يمكن وصفه بها، فقد وصفت حال الأحبة معه وحال الأعداء والمنافقين. وبلا شك فقدت الأمة أسدا من أسودها أسكت الفتنة في الشرق كما أسكتها في الحد الجنوبي. لكن الأسود لا تعدم أن تجد أسدا من بينها بينما تعدم القطعان التي يرعاها الآخرون أن تجد ذلك. في هذا يقول أبو الحسن التهامي - رحمه الله - يصف الموت وقسوته والدنيا وكدرها:
حكمُ المنيَّةِ في البريَّةِ جار
ما هذه الدُّنيا بدار قرارِ
طُبِعَتْ على كَدَرٍ وأنت تريدها
صفواً من الأقذاءِ والأكدارِ
إن الموت مصيبة على كل حال، فالله - جل وعلا - يقول ''فأصابتكم مصيبة الموت''، وتأتي المصيبة هذه مع كل مفقود من قريب أو حبيب، لكن للموت وجه آخر غير المصيبة، فللموت هيبته وعظمة تظهر وتزيد كلما كان الفقيد عظيما مهابا. ومصيبة موت العظماء هي مصيبة أمة بأسرها ولا يعزينا فيها إلا أننا قد فقدنا أعظم البشر - صلى الله عليه وسلم - قبل أي مفقود آخر. ولو كان أحد من البشر سيُمنَعُ من الموت لكانت الأمة قد جادت بكل نفيس وغال لتفدي نبيها الكريم. أتذكر هذه الصور الحزينة مع قول شاعرنا:
إنِّي وُتِرْتُ بصارمٍ ذي رَوْنَقٍ
أعددتُه لطلابةِ الأوتارِ
ثم يقول في موضع آخر يصف سهولة انقضاض الموت وصعوبة منعه:
واستُلَّ من أقرانِهِ ولداتِهِ
كالمُقلَةِ استُلَّتْ من الأشفارِ
لَدُ المعزَّى بعضُهُ فإذا مضى
بعضُ الفتى فالكلُّ في الآثارِ
ويقول معتذرا لفقيده الغالي عليه ونقولها مع الشاعر معتذرين لكل فقيد علينا:
أبكيهِ ثمَّ أقولُ معتذراً لهُ
وُفِّقْتَ حينَ تركتَ ألأم دارِ
لو كنتَ تُمنعُ خاض دونك فتيةٌ
منَّا بُحُرَ عواملٍ وشِفارِ
وبعد وفاة الأمير الفقيد جاءت القرارات الملكية لتؤكد على قضايا مهمة جدا. أولا ''وكما قلت'' إن الأسود لا تتعب في أن تجد أسدا من بينها وبسهولة ويسر، فتعيين الأمير سلمان بن عبد العزيز وليا للعهد وكذلك تعيين الأمير أحمد بن عبد العزيز وزيرا للداخلية يأتيان في سياقهما الطبيعي والوقت الطبيعي ليعكسا قدرة الأسرة المالكة على صيانة الوطن وصيانة منجزاته. كما يعكسان بصدق نظرة خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله - وإخوانه في هيئة البيعة إلى الدور التاريخي للمملكة في هذه المرحلة المهمة من عمرها وعمر الأمة العربية، فالقضية لم تعد تطلعات شعب المملكة ولا الخليج العربي فقط، بل تطلعات الأمة العربية بأسرها وتطلعات شعوب تنزف دما تحت أقدام جيوشها كل يوم. وبينما خفقت قلوب هذه الشعوب المضطهدة هلعا لموت الأمير نايف واحتمالات أن تهتم الحكومة السعودية بشأنها الداخلي وتنسى هم تلك الشعوب، جاءت التعيينات بالسرعة التي تؤكد أن الشأن العربي والأممي والدولي يأخذ أهمية كبيرة تجعل الاتفاق على تعيين ولي العهد ووزير الداخلية (وهي شأن عظيم جدا بذاته) أمرا سلسا للغاية مع شعور أعضاء هيئة البيعة بهذه المسؤولية الكبرى الملقاة على عواتقهم. وبقدر الفرح الذي عاد للشعوب العربية المضطهدة والمضطربة مع التعيين الجديد بقدر الفخر الذي شعرنا به كشعب سعودي مستقر وآمن، ويجب علينا أن نشكر الله على ذلك وأن نبتهل من أجل أن يديمه علينا. وكما قال أبو الحسن التهامي في وصف الأسود فلقد آثرت الأسرة المالكة السعودية أن تطمئن شعبها والأمة العربية والإسلامية والأسرة الدولية بسرعة حتى لو كانت مراسم العزاء المعتادة لم تنته بعد، ورغم الحزن الذي آلم الجميع بفقد الأمير نايف كما يقول شاعرنا:
قومٌ إِذا لبسوا الدروع حسبتَها
سُحُباً مُزَرَّرةً على أقمارِ
أُسْدٌ ولكن يؤثرون بزادهمْ
والأُسدُ ليس تدين بالإيثارِ
يتعطَّفونَ على المُجاورِ فيهمُ
بالمُنْفِسات تعطُّفَ الآظارِ
فالدولة السعودية منذ أنشأها المؤسس - رحمه الله - عملت ما لم تعمله دول في مئات من السنين ونقلت ووحدت شعبا مشتتا وفقيرا في كل شيء إلى بلد يرسل أكثر من 130 ألف طالب وطالبة لنيل أكثر العلوم تقدما في العالم، كل هذا وغيره كثير أشعل نارا من الحسد لا تكاد تطفأ.
إنِّي لأرحم حاسدِيَّ لحرِّ ما
ضمَّت صدورهمُ من الأوغارِ
نظروا صنيع الله بي فعيونُهمْ
في جنَّةٍ وقلوبهم في نار
ففي وقت كانت سياسة الدولة السعودية داخليا وخارجيا تعتمد على حسن الجوار والترفق بالناس، لكن هذا الحلم والتصبر وحسن الجوار لم يكن يعني الضعف بأي حال، ولهذا كانت المملكة وبقيادة خادم الحرمين الشريفين وبخطط محكمة صاغها فقيد الأمة الأمير نايف سدا منيعا في وجه التطرف والغلو بأنواعه وكانت سدا منيعا في وجه سيل متدفق من المخدرات تتطور أساليب تهريبها يوما بعد يوم وتتلقى عصاباتها المنظمة دعما لا محدودا. لقد كانت حياة فقيد الأمن السعودي رحلة طويلة من العمل على سد الثغور التي تنفذ منها السموم، سواء الفكرية أو الكيماوية، وهو صاحب أساليب وطرق متطورة في الأمن الفكري يجب أن توثق في مراجع متخصصة، فهذه الحقبة التاريخية من عمر الأمة هي من حق الجيل القادم الآن، وكل ما علينا هو نقل الصورة الصادقة عن هذا الليث الذي أدى الرسالة وجاهد حق الجهاد، وهذه الحال يصورها أبو الحسن التهامي عندما يقول:
والليثُ إن ساورْتَهُ لم يَتِّكِل
إلاَّ على الأنيابِ والأظفارِ
وإذا هو اعتقل القناةَ حسبتَها
صِلاًّ تأبَّطَهُ هِزَبْرٌ ضارِ
رحم الله الفقيد الغالي الأمير نايف بن عبد العزيز فقيد الأمن والشعب السعودي، ورحم الله الشاعر العظيم أبو الحسن التهامي، ففي بعض الشعر مواساة. وبقي أن أعتذر للقراء الأعزاء، ذلك أنني لم ألتزم عرض الأبيات كما وردت في سياق القصيدة، إنما كنت اصطاد منها ما يخدم المشاعر ''إنا لله وإنا إليه راجعون''.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي