التغيرات الاجتماعية .. النموذج العراقي
تمر المجتمعات والشعوب بتغيرات وتحولات منها ما هو تدريجي يأخذ أزمنة طويلة، ومنها ما هو مفاجئ ويكون على شكل ثورات شعبية تشبه إلى حد كبير ثورة البركان الذي يفاجئ القاطنين حوله. وشهدت المجتمعات العربية كلا النوعين من التحولات، حيث مرت بالتغيير التدريجي الذي نقل الكثير منها من حالة الجهل والفقر وسوء الخدمات إلى وضع أفضل بكثير مما كانت عليه لقرون، لكن الإخفاق في تحقيق احتياجاتها ليست الحياتية فقط، بل تلك المرتبطة بالكرامة والحقوق المهدرة، خاصة منها الشعور بالحرية والمشاركة في اتخاذ القرار، جعل بعضها يسعى إلى تغيير واقعه، وإن أخذ هذا السعي صورة ثورة البركان، وذلك لانسداد أفق التغيير التدريجي.
العراق وقبل عشر سنوات تعرض لغزو أمريكي أسقط النظام الحاكم فيه وذلك بالتنسيق والتخطيط مع فئة من الشعب العراقي تشتكي من الظلم والإقصاء، ومع سقوط النظام ومحاكمة وإعدام رموزه وتشريد الملايين من العراقيين خارج العراق وداخله، إضافة إلى تدمير البنية التحتية للبلد يحق للعراقي أو من يهمه الوضع العراقي أن يتساءل هل تغير العراق للأفضل أم للأسوأ بعد هذه السنين، وبعد اجتثاث النظام بكامله في رموزه، وفي آليات إداراته للبلاد، وفي قانونه؟!
الإجابة عن هذا السؤال تقتضي تجنب العموميات وإعطاء التفاصيل بشأن مجموعة من المرتكزات أولها دستور العراق الحالي إذ لم يكتبه العراقيون بل كتبه بريمر والقانونيون الأمريكيون الذين وضعوا فيه من الثغرات والألغام الشيء الكثير حتى وإن قيل إن العراقيين صوتوا عليه، لأن التصويت في حد ذاته ليس هدفاً ما لم تكن نتيجة التصويت في مصلحة الشعب والمجتمع. المرتكز الثاني لتشخيص الواقع العراقي يتمثل في النظام الانتخابي لاختيار أعضاء مجلس النواب والرئيس ورئيس الحكومة، ويمكن الرد على هذه الحجة وعلى من يفتخر بهذا كمنجز، بأنه في عهد صدام حسين كان الانتخاب موجوداً لكن المهم ليس الشكل، والصورة، لكن الآلية والنتيجة وتحقيق إرادة الشعب ومن يخدمه بشكل أفضل، وما حدث في الانتخابات الأخيرة دليل قاطع على أن من سعوا للتغيير في العراق لم يكن هدفهم التغيير للأفضل في واقع المجتمع بكل مكوناته، لكن التغيير لتحقيق مصالح شخصية وفئوية ضيقة، والدليل على هذا عدم احترام دولة القانون وحزب الدعوة والصدريين نتائج الانتخابات التي فازت بها القائمة العراقية وعطلت هذه المجموعات تشكيل الحكومة من قبل القائمة العراقية وشكلوا تحالفاً مذهبياً مكن المالكي من رئاسة الحكومة، فهل النظام الانتخابي تم احترامه أم تم التلاعب به وسخر لتحقيق الأهداف الضيقة؟ وهل يعد النظام الانتخابي مكسباً للعراق والعراقيين ونتيجته مزيد من التدمير والفرقة؟!
الأمن مكسب تسعى إليه كل الشعوب، والمجتمعات، ومن يفتقده لا يمكن أن ينمو، أو يتطور، وما حدث بعد الغزو الأمريكي يؤكد افتقاد العراق والعراقيين الأمن، فحوادث القتل على الهوية، والاختطاف، والتفجير أصبحت السمة البارزة للعراق في الوقت الراهن في حين لم تكن هذه الأشياء موجودة في العهد السابق الموسوم بالدكتاتورية.
السجون العراقية أصبحت ملأى بالمساجين، ولعل آخر ما كشفت عنه منظمة حقوق الإنسان يؤكد أن التغيير الذي حدث لم يكن للأحسن، بل للأسوأ، حيث تم اكتشاف سجون سرية مثل سجن الشريف وسجن مطار المثنى وسجن الجادرية وغيرها كثير، التي يمارس داخلها أبشع أنواع التعذيب والإهانة، وسلب الكرامة الإنسانية، لذا فمن حق العراقيين أن يتساءلوا عن المكاسب التي حققوها تحت حكومة نتجت في ظل الاحتلال الأمريكي.
الخدمات التي كانت متوافرة للعراقيين من ماء، وكهرباء، وصحة، وغيرها لم تعد موجودة، بل أصبحت ضمن أمنيات العراقيين التي يسعون إلى تحقيقها رغم أن ميزانية العراق تقدر بمئات المليارات من الدولارات، لكن يبدو أن الاحتلالين الأمريكي والإيراني لم يبقيا للعراقيين سوى مظاهر التغيير وليس جوهره، حقاً لقد تغير العراق لكن تغيره لم يكن في مصلحة العراق والعراقيين بل في مصلحة المالكي ومن يدورون في فلكه.