هل بإمكان التجار فرض الأسعار كما يرغبون؟
هل بإمكان البائعين عمليا فرض الأسعار كما يرغبون؟ طبعا الرغبة ليست مطلقة، بل ضمن الممكن. وتوضيحا، لا يتناول المقال الحديث عن الغبن في البيع، بل فرض سعر يعم.
الجواب كما أراه عند أكثرية الناس نعم. ومستندي تعليقات القراء، أينما أثير الكلام عن الأسعار والغلاء. ولكن علماء الاقتصاد لهم كلام آخر.
الاقتصاديون، أعني المتخصصين في علم الاقتصاد، ينظرون إلى طبيعة سوق السلعة، من حيث مدى تنافسيتها.
وضرب المثال يوضح المعنى.
تنفرد أرامكو السعودية في إنتاج وقود السيارات. بافتراض عدم تدخل الحكومة، بإمكان أرامكو أن تقرر أسعار وقود السيارات الذي تبيعه على محطات الوقود كما ترغب. وتبنى هذه الرغبة عادة على تعظيم الأرباح إلى أقصى حد ممكن.
هل تستطيع محطات الوقود أن تحذو حذو أرامكو وتقرر هامش ربح على المستهلكين كما ترغب، بافتراض عدم تدخل الحكومة في تحديد هذا الهامش؟
الجواب لا، لسبب بسيط، وهو كون المحطات بالآلاف. ونحن نتكلم عن الوضع العام، وليس عن حالة خاصة، كمحطة وقود وحيدة في مكان نائ.
المثالان السابقان يقودان للحديث عن أنواع الأسواق. من باب التبسيط إلى أقصى حد ممكن، بإمكاننا توزيع الأسواق إلى ثلاثة أنواع: تنافسية، واحتكارية (بمعنى الانفراد حسب التسمية المعاصرة، وليس حسب المعنى اللغوي والفقهي للكلمة)، واحتكار قلة.
الحديث عن الأنواع مقصور على البائع وليس المشتري.
في السوق الاحتكارية هناك بائع واحد، وهو ما اشتهرت تسميته بالمحتكر، وقد يتعدد، ولكن في نطاق محدود بما يسمى (احتكار) القلة، وقد يتعدد البائعون جدا، وتعد سوقهم في هذه الحالة تنافسية. وهذه التنافسية قد تكون كاملة أو قريبة من الكاملة.
في حالة الاحتكار فإن البائع (إذا لم تتدخل السلطات) يحدد الأسعار (أو الكميات المعروضة للبيع). ويعتمد قدر نجاح المحتكر في تعظيم أرباحه على عوامل كوجود بدائل، ومدى الرغبة في هذه البدائل.
أما في حالة احتكار القلة فإن مدى نجاحهم في تحديد السعر أو الكمية يعتمد على قدر التعاون بينهم. ويدخل في احتكار القلة وجود تكتل وهيمنة لبعض البائعين/ المنتجين في سوق ليست تنافسية أصلا، بحيث يتمكن هؤلاء المتكتلون من التحكم في الأسعار أو الكميات.
تعتبر المرافق العامة كالكهرباء والماء أوضح الأمثلة على الاحتكار.
ماذا في الحالة التنافسية؟
أهم صفات السوق التنافسية وجود عدد كبير جدا من البائعين بحيث يمتنع سيطرة واحد على السعر، ويصعب جدا تكتل مجموعة منهم للسيطرة عليه. لذلك يستبعد أن يكون هناك طرف مستغل (بكسر الغين) ومستغل (بفتح الغين)، ومن أمثلة السلع والخدمات التي سوقها تنافسية بالنسبة للمستهلك الأطعمة والمواد التموينية إجمالا في محلات التجزئة، والشقق السكنية ومحطات الوقود وخدمات الحلاقة والصيانة وتأجير السيارات، وغيرها كثير مما يعرف بوجود عارضين ومشترين كثيرين للسلعة نفسها.
لنا أن نصف الأسعار في الأسواق التنافسية بأنها لم تفرض من أحد، ومن ثم لا تنسب لأحد، أي أن البائع (أو مقدم الخدمة) يتبع سعرا موجودا في السوق، عكس حالة الأسعار في السوق الاحتكارية.
بعض الناس يتعجب كيف ترتفع الأسعار طالما أنها لم تفرض من أحد. ارتفاع الأسعار (التضخم) في هذه الحالة يحدث لعوامل اقتصادية موضوعية ككثرة النقود وزيادة الطلب وارتفاع التكاليف.
لن يعجب قولي قراء كثيرين. واستباقا لسوء الظن المنتشر بيننا، فإن ما قلته آنفا متفق عليه بين علماء الاقتصاد، وليس وجهة نظر لكاتب هذا المقال.
الأمر منطقي. مثلا، وبصورة مبسطة، إذا كان سعر كيلو البرتقال من نوع ما يدور في السوق حول ثلاثة ريالات، ووجدنا محلا يبيع وباستمرار الكيلو من البرتقال نفسه تماما بخمسة ريالات، فإن المتوقع أن الناس سيتركون الشراء منه (إلا في حالات خاصة).
هناك سلع محتكرة من جهة بائع الجملة أو المستورد أو المنتج وليس من جهة بائع التجزئة.
هل لهذه السلع بدائل أو لا؟ وجود البدائل يضعف جدا قدرة بائع الجملة على فرض السعر الاحتكاري. ولكن المشكلة عند عدم وجود بدائل. هل تسعر الحكومة في هذه الحالة؟ يعتمد الأمر على مدى أهمية هذه السلع للمستهلكين أو المشترين. في السلع الضرورية لا بد من التسعير. وأهم من ذلك أن على الحكومة محاربة الاحتكار وحماية المنافسة بكل قوة.
واستطرادا، لا ينبغي على الحكومة، التدخل بالتسعير في حالة السوق التنافسية. لأن تدخل الحكومة بتسعير السلع التنافسية صعب جدا تطبيقه، ويوجد توزيعا غير فعال (كفؤ). هذا هو الأصل. إلا أنه يعدل عن هذا الأصل في حالات بعينها. كحدوث نقص في العرض من سلعة أساسية أو ضرورية لعموم الناس، نتيجة أمر عارض كوقوع أزمات أو كوارث تتسبب في نقص المتوفر من سلعة أساسية للناس، ومن ثم ترتفع أسعارها. من المهم أن يكون التثبيت مؤقتا، وأن يسبق تطبيقه تناولا لجوانب المشكلة بتمحيص وبحث عميقين تقليلا للأضرار وعيوب التنفيذ.
باختصار، يتمكن البائعون من فرض الأسعارالتي يرغبونها في حالة السوق الاحتكارية وليس التنافسية.