التفريط بالممتلكات العامة
قضية المزاد العلني الذي سيتم (والذي قد يكون تم) على فلل إسكان الرصيفة في مكة المكرمة، توضح الطريقة البطيئة والمملة التي تتخذ البيروقراطية فيها الكثير من القرارات الحكومية، وخصوصاً عند التعامل مع الممتلكات الحكومية. فبعد أكثر من 20 عاما من بناء تلك الوحدات يتم اتخاذ قرار نهائي ببيعها بالمزاد العلني، ولا أدري كيف تركت هذه الفلل لمدة 20 عاما دون استغلال وهي منشأة في مكة المكرمة التي تعاني الازدحام السكاني والضغوط من على أماكن الإقامة من قبل سكانها وقاصديها من أطراف المعمورة.
ويتصف كثير من البيروقراطيين (الموظفين الحكوميين) بقصر النظر وحصر حيثيات اتخاذ القرارات على اعتبارات محدودة جداً. وينتج عن هذا اتخاذ الكثير من القرارات الحساسة المثيرة للرأي العام والتي لا تراعي عدد من المصالح العامة الرئيسية. وقرار بيع وحدات إسكان الرصيفة هو أحد الأمثلة على القرارات ضيقة الأفق، فقد سيقت مبررات واهية لإجراء عملية البيع. وتدفع الدولة مبالغ هائلة سنوياً لقاء تعويضات عقارية في مكة وغيرها لإقامة مشاريعها المختلفة، فكيف يتم بيع هذه الممتلكات وهناك حاجة واضحة لدى الدولة لمزيد من الممتلكات العقارية في هذه البقعة المباركة. فمكة المكرمة من أكثر الأماكن المطلوبة في المملكة بسبب وضعها الخاص كقبلة للمسلمين وعاصمة مقدسة لهذا البلد الكريم، وتعتبر أسعار الأراضي فيها الأعلى في المملكة ومن الأعلى على مستوى المنطقة أو العالم ككل.
وبدلاً من بيع هذه الوحدات يمكن استغلال أراضي هذه الوحدات السكنية لإنشاء مشاريع أسكان ضخمة تأوي عشرات الآلاف من العائلات المحتاجة وتيسر على كثير من المواطنين سبل عيشهم. ومهما كانت إيرادات بيع هذه الوحدات فإنها ستكون أقل بكثير من أي تعويضات تدفع للحصول على عقارات أو أراض مشابهة. إن من المؤكد أن الدولة ستحتاج للكثير من العقار في مكة وغيرها لإقامة مشاريعها المختلفة، ولهذا تعتبر عملية بيع العقارات أو تحويل أغراضها من أساليب إهدار المال العام وخصوصاً في هذا الوقت الذي لا تحتاج فيه الدولة لإيرادات مالية. فليس لدى الدولة في الوقت الحالي أي احتياج طارئ لموارد مالية إضافية تضطرها لبيع هذه الوحدات، بل تحتاج الدولة إلى قنوات استثمار للأصول السائلة التي لديها، خصوصاً وهي تحصل على إيرادات منخفضة مقابل استثمار مبالغ طائلة في أوراق مالية أجنبية.
وحتى لو سلمنا جدلاً بوجهة النظر التي تسمح ببيع هذه الوحدات فإن هناك تساؤلا موجها لمتخذ قرار بيع الوحدات السكنية عن كفاءة وجدوى أسلوب البيع بالمزاد وقدرته في الحصول على سعر عادل لهذه الوحدات؟ فهل تمت الاستعانة بمقيّم عقاري محترف لتحديد أسعار هذه الوحدات العادلة في السوق قبل إجراء عملية المزاد، حيث يتم تحديد سعر عادل ينبغي بدء المزاد من عنده، أم هل ستتم عملية المزاد على أساس تقليدي قد يشوبه بعض الفساد؟ فقد تخفي عملية البيع في المزاد العلني وراءها ضغوط أصحاب المصالح للظفر بصفقات مربحة، فأسلوب البيع بالمزاد العلني يقود في كثير من الأحيان إلى خفض أسعار الوحدات المباعة. وقد يتم قبل المزاد عمليات تكالب أو اتفاق بين المشترين أو جزء كبير منهم لخفض أسعار الوحدات المباعة، كما يمكن استغلال لوائح البيع التنفيذية لتمرير صفقات مشبوهة.
وتعرضت (وتتعرض) الممتلكات العقارية للدولة والأراضي المخصصة للخدمات العامة من مدارس وحدائق ومراكز صحية وفي بعض الأحيان مساجد إلى عمليات نهب واستحواذ باطل على مر السنوات. فقد تم في معظم الأحياء السكنية إن لم يكن كلها تحويل أراضي المرافق العامة من مدارس وحدائق إلى أراض سكنية. واستخدمت أساليب ملتوية وطرق فساد واسعة بما في ذلك الرشوة والمحسوبية والابتزاز واستغلال الوظائف العامة للمصلحة الخاصة، لتحويل هذه الأراضي إلى أراض سكنية أو تجارية. وقد ساهمت عمليات الفساد التي مكنت من الاستحواذ على أراضي الخدمات العامة في تعطيل وتشويه عملية التنمية في هذه البلاد الكريمة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك اختفاء الحدائق وملاهي الأطفال في كثير من الأحياء ونقص واضح وسوء توزيع للمدارس الحكومية والمراكز الصحية في الأحياء السكنية بسبب عمليات الفساد المتصلة بأراضي المرافق العامة. وقد نتج عن إضاعة الأراضي المخصصة للمرافق الحكومية نقص واضح في الخدمات الحكومية وإضاعة للمال العام للحصول على أراض للخدمات العامة التي تم التفريط فيها من قبل الفاسدين وبعض المتنفذين.