نجاح الهيئة العامة للسياحة والآثار وتعثر قطاع السياحة

يشير عنوان المقال إلى تناقض عجيب لا يمكن فهمه إلا بتحليل الواقع الإداري الحكومي والاعتراف بسيطرة التنظيم البيروقراطي والمركزية الشديدة على عملية صنع القرار التنموي الوطني واتصافه بالتشرذم، بحيث يعمل كل جهاز حكومي على شاكلته دون تنسيق مشترك واستراتيجية موحدة يسعى الجميع إلى تحقيق أهداف تنموية بعيدة المدى. لذا كان من الضروري إذا ما أردنا كمجتمع وكدولة أن ننجح في تطوير السياحة الداخلية والاستفادة من مقوماتها وجني عوائد اقتصادية واجتماعية كبيرة وتجاوز كثير من التحديات، التمييز بين قطاع السياحة الذي تتداخل فيه أطراف عدة والهيئة العامة للسياحة والآثار. هذا التمييز ينتشلنا من اختزال السياحة وتنميتها في إطار الهيئة العامة للسياحة والآثار في إطار بيروقراطي ضيق إلى فهم طبيعتها الشمولية والاجتماعية من خلال منظور أوسع متعدد الأطراف والموضوعات. لذا لا يمكن التوقف كثيرا على أهميته عند إنشاء الهيئة كمؤسسة معنية بتنمية قطاع السياحة، ونظن أن هذا وحده كاف لتحقيق تنمية سياحية.
ما يجدر إدراكه هو أن دور الهيئة صياغة سياسات وطنية وتنسيق وتشريع وتوجيه جهود الجهات المعنية والأطراف المتداخلة في التنمية السياحية بما في ذلك القطاعات الحكومية والمؤسسات الخاصة والمجتمعات المحلية. لذا يفترض تقييم أداء الهيئة ومدى نجاحها على معيار قيامها بأدوارها التنسيقية والتشريعية وسياساتها التشجيعية، وبالتالي يجب ألا نحمل الهيئة ما لا تحتمل، وإلا وقعنا في شراك البيروقراطية ونقاشها العقيم في تقديم مصلحة الجهاز الحكومي على حساب المصلحة الوطنية وتخليها عن الرؤية المشتركة. وكباحث ومطلع في شأن التنمية السياحية أجد أن الهيئة قامت بجهود جبارة فيما أوكل إليها من مهام وقدمت منذ اليوم الأول لإنشائها استراتيجية تشاركية وثقافة مبنية على التعاون وتشريعات وسياسات غطت جميع الموضوعات والقضايا، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك في تقديم العون والمشورة للأجهزة الحكومية وجيّرت كثيرا من النجاحات باسم الأجهزة الأخرى. لقد وضعت الهيئة خريطة طريق للسياحة الداخلية واضحة المعالم دقيقة التفاصيل، إلا أنه، مع الأسف الشديد، لم تستوعب الأطراف الأخرى أدوارها الوطنية ولم تقم بمسؤولياتها لإنجاح التنمية السياحية. دور الهيئة أشبه ما يكون بمدرب فريق رياضي يضع الخطة ويعد لاعبيه ويبين المهام، وبعد ذلك يعتمد على أداء اللاعبين في الملعب، لذا لا يصح أن نطلب من الهيئة أن تضمن تحقيق أهداف التنمية السياحية إذا لم تقم الأجهزة الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص بما أوكل إليها من مهام. هل يمكن أن تنجح السياحة الداخلية، على سبيل المثال، من دون خدمات الطيران والبلديات والمياه والفنادق والمشاريع الترويحية وثقافة الضيافة، وجميعها ليست من مسؤوليات الهيئة؟! هل يعقل أن نلقي باللائمة على الهيئة على تردي مستوى الاستراحات ومحطات الوقود أو انقطاع المياه أو الكهرباء عن المناطق السياحية وهي لا تدخل ضمن اختصاصاتها؟!
هذه تساؤلات مهمة ليس من أجل تقدير الدور الذي تقوم به الهيئة وتوضيح تقاعس القطاعات الأخرى عن إدراك المنافع التي سيجنيها الوطن من السياحة، لكن التنبيه إلى أن هناك ضرورة في إعادة صياغة أسلوب صناعة القرار العام وربطه بالأهداف الاستراتيجية، فلا يكفي العمل بجد واجتهاد وكفاءة وفاعلية، لكن تحقيق نتائج على الأرض تصنع الفرق وتحقق تنمية مستدامة ومتوازنة وتمكننا من إيجاد حلول لمشكلات البطالة والفقر وترويح الشباب. هناك الكثير من أوجه الإنفاق الحكومي السخي، إلا أنه يتطلب ربطه بالنتائج وليس تقييمه على أساس تطبيق الإجراءات الروتينية. التحدي الذي تواجهه الهيئة هو أنها سبقت جميع الأجهزة الحكومية إداريا وجاءت بثقافة جديدة لم يتم استيعابها بعد، وربما لم يصل البعض إلى حد القناعة بأن السياحة مسؤولية الجميع دون استثناء، وأنه لا يمكن التعامل معها كالقطاعات التصنيعية على سبيل المثال، حيث إن عملية الإنتاج لا تستدعي تداخلا اجتماعيا، إنما هي تقنية آلية صرفة تكون فيها الإنتاجية محصورة داخل المؤسسة دون ارتباط بقيم المجتمع، أو في معظم الحالات، دون التداخل مع أجهزة أخرى. في المقابل نجد السياحة الداخلية ذات تأثيرات جانبية متعددة تشمل الجوانب الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتعود بالنفع على جميع الموطنين بطريقة مباشرة وغير مباشرة. السياحة صناعة مجتمعية، أي أنها تعتمد على ثقافة المجتمع المحلي، وبالتالي هي مرتبطة بالمكان ولا يمكن بأي حال من الأحوال استيرادها، بل يلزم أن تكون من نتاجه. وهذه صفة ملازمة لصناعة السياحة تتفرد بها وتتطلب تعاون جميع مكونات المجتمع المحلي، وهذا يستلزم رؤية مشتركة يرى من خلالها الجميع أن من مصلحتهم تنمية السياحة وأنه ليس بإمكان طرف واحد القيام بالمهمة.
إن من العيب الإداري ألا ينجح مشروع السياحة الداخلية على الرغم مما تبذله الهيئة من جهود في كل الاتجاهات وعلى كل المستويات، وما حققته خلال السنوات الماضية بالمعيار المهني والمؤسسي يفوق كل المقاييس، خاصة إذا ما تذكرنا أنها بدأت من الصفر دون مكاتب وموظفين وتنظيم إداري وتشريعات وسياسات. هناك خلل كبير يعطل التنمية السياحية يتمثل في التحوصل الإداري وانكفاء الأجهزة الحكومية داخل شرنقتها والتركيز على الإجراءات الورقية والمكوث في منطقة الراحة والتخلي عن تحمل مسؤولية إحداث تأثير حقيقي والبحث عن الأفضل. التنمية السياحية لا تقبل أنصاف الحلول أو الاكتفاء بالتكوين الإداري، بل تحتاج إلى الدعم المالي الذي يمكنها من تحقيق أهدافها. فالنجاحات التي تحققت في مجالي الزراعة والصناعة، على سبيل المثال، لم تكن لتتحقق لولا الدعم الإداري والمالي السخي من الدولة، وقطاع السياحة الأكثر عائدا اقتصاديا والأكثر توظيفا للشباب يستحق دعما مماثلا، وإلا سنظل نضيع الوقت نلقي باللائمة على الهيئة العامة للسياحة والآثار على تعثر السياحة، بينما الهيئة أحد الأطراف وليست الطرف الوحيد في معادلة التنمية السياحية، وقامت بما أوكل إليها من مهام على أكمل وجه. أخشى إن لم نستفد من نجاحات الهيئة العامة للسياحة والآثار المؤسسية وما حققته من نضج إداري سيظل قطاع السياحة يتعثر والجميع يتفرج وكأنما هناك من يريد إفشال المشروع السياحي لعدم القناعة بجدواه كمولد للدخل والوظائف، وهذا خطأ كبير نقترفه في حق الوطن.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي