أين تذهب هذا الصيف؟

استرجع صديقي أيام صيف زمان، عندما كان الصيف يعني ممارسة أعمال جديدة. كان أبناء أصحاب المتاجر يستيقظون لأداء صلاة الفجر، ثم يتناولون الإفطار ويتوجهون مع آبائهم للعمل في التجارة. آخرون كانوا يمتهنون أعمالا يغلب عليها طابع بيع التجزئة أو الخدمات، خصوصاً صغار السن. بعض الأطفال كانوا يبيعون المواد الاستهلاكية أو الأغذية في الحارات والشوارع، وغيرهم كانوا يتوجهون للعمل في نقل البضائع أو إيصال مشتريات المتسوقين. أبناء المزارعين كانوا يمارسون الرعي والزراعة. الجميع كان يعمل، حتى البنات كن يساهمن في أعمال المنزل مع أمهاتهن أثناء الدراسة، ويتحملن العبء كاملاً خلال فترة الصيف.
حديث صديقي كان عن صيف التسعينيات الهجرية من القرن الماضي. قبل ذلك لم يكن هناك هذا الكم من (الدلال). كان الأبناء يمارسون عملهم طول العام، سواء كان في وقت الدراسة أم في الإجازة الصيفية. أعتقد أن من عاشوا في الفترات الأسبق كانوا ينظرون إلى حال من بعدهم ويعتبرونهم مدللين إلى أقصى حد.
يمارس الأبناء والبنات اليوم نظاماً جديداً هو تحويل الليل إلى نهار وتحويل النهار إلى ليل. تربت أجيالنا الجديدة في هذا الجو غير المنضبط، وهو نتيجة حتمية لتراخي الأسرة في التربية التي نتجت عن الوفرة المالية، وضغط البيئة المجتمعية الذي يدفعهم لفعل أشياء هم غير مقتنعين بها.
السفر هو العلامة الفارقة في الصيف الآن، أتوقع أن ما يقارب 70 في المائة من الأسر السعودية تخطط للسفر هذا الصيف. يعتمد طول المسافة وطول مدة الإقامة في الخارج طردياً مع الوفرة المالية، وأثر البيئة التي تعيش فيها الأسرة، لأن بعض الأسر تضطر إلى الاقتراض للتماشي مع الـ status quo أو حالة الملاءة التي تحاول إظهارها. نظرة سريعة إلى وجهات السفر التي حظيت بسياحة السعوديين تعطينا صورة مختلفة لصيف هذا العام.
دول كمصر ولبنان وسورية واليمن - التي تحولت إلى قبلة سياحية أخيرا- أصبحت وجهات خطيرة ستتفاداها الأسر، سوى من تضطرهم أسباب غير السياحة، خصوصاً من يملكون عقارات في دول مثل مصر ولبنان - التي يبدو أنها ستفقد نسبة كبيرة من السياح الخليجيين بالذات.
أوروبا وجهة محببة لدى الكثير من الأسر السعودية، خصوصاً أنها تهتم بالسياحة وتوفر مواقع كثيرة للتسوق والنزهة والثقافة، مع أن الاهتمام بالثقافة محدود. أكبر عيوب السياحة في أوروبا هو غلاء الأسعار- إلا إذا كنت ممن يخططون مبكراً ويتصيدون العروض الخاصة، وهم قلة. أكبر مزايا السياحة في أوروبا مساهمتها في المحافظة على (برستيج) معين، وانطباع إيجابي عن الوفرة المادية، أعرف أشخاصاً كانوا يقترضون ليسافروا إلى أوروبا في الصيف حتى لا يكتشف الناس إفلاسهم. كما يذهب أقوام إلى أوروبا لأغراض أخرى!
شرق آسيا وجهة رائعة وفيها جمال الطبيعة وتوفر الخدمات وحسن التعامل. أصبح الكثير من رواد هذه المناطق من حديثي الزواج، وهم يفضلون إندونيسيا أو ماليزيا وبحكم التقليد يحرم السعوديون أنفسهم من اكتشاف دول أجمل. غلاء الأسعار يعيب أماكن مثل سنغافورة وهونج كونج، إلا أن وجهة كسريلانكا تقدم فرصة جديدة للاكتشاف، وبأسعار رائعة وجمال آخاذ كما ذكر لي من زارها. أعتقد أن الكثير ممن كانوا يخططون للذهاب لدول الربيع العربي سيتجهون شرقاً هذه المرة.
دبي - في رأيي - مدينة أخرى من مدن السعودية، لكن بكم أكبر من الخدمات والبنية الجميلة والأسواق، لكنها لا تعالج المشكلة التي تجعلنا نهرب من هنا بالدرجة الأولى ألا وهي الحرارة، وكذا الحال مع بقية دول الخليج، باستثناء عمان.
أتوقع أن تحظى السياحة الداخلية باهتمام أكبر هذا العام، خصوصاً أن هناك مؤشرات واضحة منذ الآن، ونستطيع أن نصنف مدينة كجدة في مصاف دبي - إلى حد ما. السياحة الدينية إلى مكة المكرمة ستستمر - رغم فتح العمرة، والمدينة المنورة - رغم الحرارة العالية. إلا أن أهم مناطق الاصطياف مناخاً هي المناطق الواقعة من الطائف إلى أبها. يبذل مسؤولو هذه المناطق وباستمرار جهوداً للحاق بالركب. الكثير من الأنشطة والمهرجانات التي تستهدف كل الشرائح، مع أن أقدم هذه المهرجانات (مهرجان أبها للتسوق) لا يزال يطالب الزوار بالدفع للدخول والشراء. رغم سنين الخبرة في مجال السياحة، لا تزال الفعاليات الدينية هي الأكثر بروزاً ونشاطاً وقدرة في هذه المناطق. تفتقد هذه المناطق مدن ترفيه منافسة، وأسواقا راقية ومناشط ثقافية ومسرحية وفنية تدفع بالسياحة إلى الأمام.
تقول إحصائية الهيئة العامة للسياحة والآثار إن السعوديين سينفقون 50 مليار دولار على السياحة الخارجية هذا العام. تحتاج الجهات المنظمة إلى العمل على استقطاع حصة من هذه المبالغ التي تخرج من الاقتصاد، وإيجاد وسائل لجذب المستثمرين الجادين، ودفع المستفيدين من مشاريع المناطق إلى دعم جاذبيتها. يقع العبء الأكبر على الهيئة العليا للسياحة والآثار لوضع وتحديث السياسات والاستراتيجيات التي تدفع القطاع الخاص للاستثمار في هذه المناطق.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي