رسالة الخطأ

  • لم يتم إنشاء الملف.
  • لم يتم إنشاء الملف.


اقتصاديات السل .. مرض الفقراء

عزيزي القارئ، اسمح لي أن نخرج اليوم من دائرة المشكلات الاقتصادية العالمية التي نغرق فيها جميعا حاليا، لنأخذ رحلة قصيرة إلى عالم آخر قليلا ما نسمع عنه في بلادنا، لأننا - والحمد لله - لسنا مصنفين ضمن الدول التي تعاني من هذا المرض اللعين، إنه عالم مرض السل. مرض السل أحد أكبر الأمراض المعدية التي تقتل البشر في العالم، فهو ثاني أكبر مسبب للموت بين المصابين بالأمراض المعدية بعد الإيدز حاليا، بصفة خاصة في الدول النامية، حيث ينتشر مرض السل بسبب انخفاض مستويات الدخول والمعيشة، وحيث تغيب نظم الرعاية الصحية المتطورة أو المناسبة. مما يعقد أوضاع المرض في الدول النامية أنه مرتبط لسوء الحظ بالأمية والبطالة والفقر وسوء التغذية، والمصابون بهذا المرض في هذه الدول غالبا ما يعانون من هذه التركيبة من الأمراض الاجتماعية/ الاقتصادية بصورة جزئية أو كلية، وعندما يطلب من فقراء هذه الدول أن يتحملوا تكلفة العلاج، فإنهم غالبا ما لا يسعون نحو العلاج المناسب بسبب عدم قدرتهم على دفع التكلفة المالية المطلوبة، بالرغم من أنها قد تكون زهيدة نسبيا، إلا أنها قد تنوء بميزانية الكثير من فقراء الدول النامية.
مأساة السل تنشأ من سهولة انتشار البكتيريا المسببة له عبر الهواء الذي يتنفسه الناس وذلك عندما يقوم أحد المرضى بنشر البكتيريا عند السعال، غير أنه لحسن الحظ فإن نسبة قليلة من الأشخاص الذين يصابون بعدوى السل يتطور المرض لديهم، ولكن لوحظ مع انتشار مرض الإيدز أن نسبة الذين يصابون بالسل من مرضى الإيدز كبيرة بسبب ضعف جهاز المناعة لديهم، وبشكل عام ينتشر المرض بين الذكور أكثر من الإناث، ويصاب به الإنسان غالبا في سن العمل، حيث إن معظم الحالات المصابة بالمرض في العالم تتراوح أعمارهم بين 15 ـــ 59 عاما.
الدراسات المتاحة تشير إلى أن هناك عدة مسببات رئيسية لارتفاع معدلات الوفيات الناجمة عن المرض في الدول النامية، السبب الأول هو ضعف إقبال المصابين في الدول النامية على الحصول على العلاج المناسب بسبب سوء فهم طبيعة المرض، إما لعدم توافر المعرفة الدقيقة به، أو بسبب الأساطير المحلية المحيطة بالمرض على أنه غير قابل للعلاج. السبب الثاني وهو أنه حتى عندما يتم السعي للحصول على العلاج المناسب فإن تشخيص المرض قد يكون غير مناسب وهو ما يؤدي إلى تأخر اكتشاف الإصابات ومن ثم انخفاض فرص علاجها في التوقيت المناسب. السبب الثالث وهو أنه حتى عندما يتم إجراء التشخيص المناسب للمرض قد لا يوجد التزام كامل من المريض بقواعد العلاج بسبب نقص الوعي وارتفاع مستوى الأمية، وربما لا يتناول المريض العلاج، أو قد يتناوله ولكن لا يكمله حتى النهاية لارتفاع تكلفته، هذا إضافة إلى عوامل أخرى مثل ضعف الدعم السياسي لبرامج مكافحة المرض أو نقص التمويل اللازم لبرامج التعامل مع الحالات المصابة.
وفقا للدراسات المتاحة أيضا عن الهند فإن أهم أسباب التوقف عن العلاج يعود إلى أسباب اقتصادية، حيث وجد أن غالبية المرضى يعملون في وظائف مؤقتة ومتنقلة ومن ثم ليس لديهم الاستقرار المناسب في مصادر دخولهم، وهو ما يمكن أن يدخل المريض فيما يمكن أن نطلق عليه الحلقة الخبيثة لمرض السل، حيث يؤدي عدم استقرار الدخل إلى التوقف عن تناول الدواء، مما يؤدي إلى تطور المرض لدى المريض، وهو ما يؤدي إلى توقفه عن العمل بسبب سوء حالته، كما يؤدي إلى سوء التغذية بسبب انخفاض الكميات المتاحة من الغذاء للمريض، وهو ما يؤدي إلى ضعف القدرة على العمل، ومن ثم انخفاض، أو انقطاع، دخله وهكذا يدور المريض في هذه الحلقة الخبيثة حتى يموت في أغلب الأحوال.
أما عن إحصاءات المرض فإنه وفقا لمنظمة الصحة العالمية يعد مرض السل أحد أهم المشكلات الصحية في العالم، حيث يقدر عدد الحالات المصابة بالمرض بحوالي 9 ملايين حالة، أي حوالي 125 حالة من بين كل 100 ألف شخص يعيشون في العالم، بينما يموت بسبب المرض نحو مليوني شخص سنويا منهم نصف مليون في الهند وحدها، وينتشر مرض السل في كل دول العالم، وللأسف الشديد تشير الإحصاءات إلى تزايد أعداد المصابين بالمرض في العالم سنويا، ووفقا لتقديرات منظمة الصحة العالمية فإن 85 في المائة من المصابين في المرض يوجدون في إفريقيا وآسيا، وبالنسبة لإفريقيا يوجد فيها 26 في المائة من حالات مرض السل في العالم، بينما يوجد في آسيا 59 في المائة من حالات مرض السل في العالم، وتتركز هذه الإصابات في الهند والصين، ويقدر أن الهند وحدها مسؤولة عن 26 في المائة من عدد المصابين بالمرض، أي نحو ربع المصابين بالمرض في العالم، بينما يقدر أن الهند والصين بهما نحو 38 في المائة من الحالات المصابة عالميا. أما عن أعداد المصابين في أكبر خمس دول مصابة في العالم فهي الهند (2 ــ 2.5 مليون مريض) 30 في المائة منهم يعيشون تحت خط الفقر، ثم الصين (0.9 ــ 1.2 مليون مريض)، ثم جنوب إفريقيا (0.4 ــ 0.59 مليون مريض)، ثم إندونيسيا (0.37 ـــ 0.54 مليون مريض) ثم باكستان (0.33 ـــ 0.48 مليون مريض).
للأسف الشديد أن الجانب الأكبر من الوفيات التي تترتب على المرض غير مبرر، لأن المرض قابل للشفاء، ذلك أن الغالبية العظمى من مرضى السل يمكن شفاؤهم بنجاح، فوفقا لمنظمة الصحة العالمية فإن حوالي 90 في المائة من الحالات يمكن شفاؤها بما يسمى أدوية الخط الأول First-line drugs أي بأدوية غير مكلفة ورخيصة نسبيا، بينما النسبة الباقية تحتاج إلى علاج أكثر تعقيدا وتكلفة أكبر ويطلق عليها أدوية الخط الثاني Second-line drugs ، وهي أدوية ذات آثار جانبية حادة وتحتاج إلى أن يتعاطاها المريض لأكثر من عامين، كما أن نسبة الشفاء بها تعد منخفضة نسبيا وتتراوح بين 50 ـــ 70 في المائة، وغالبا لا تقدم الحكومات في الدول الفقيرة العلاج لهذا النوع الثاني من المرض بحجة أنه مكلف لميزانيتها التي لا تكفي الاعتمادات المدرجة فيها لتوفير الدواء الكافي للعدد المصاب.
نحن بالفعل أمام مأساة حقيقية، فإذا كان لنا أن نطلق وصفا على مرض السل فإن أفضل وصف يمكن أن نطلقه عليه هو أنه "مرض الفقراء"، ففي الدول الفقيرة غالبا ما يعيش مرضى السل في الأحياء الفقيرة المزدحمة التي تفتقر إلى إمدادات مياه الشرب أو توصيلات المجاري، وحيث تقل القدرة على الحصول على التغذية المناسبة، ربما بسبب حرمان هؤلاء الأفراد من حقوق العمل والسكن والوصول إلى الغذاء المناسب فضلا عن افتقادهم الرعاية الصحية المناسبة، فالدراسات تثبت أن تحسن نوعية الغذاء المتاح للمرضى وكذلك زيادة فرص العمل تؤدي إلى خفض نسب الإصابة بالمرض بصورة كبيرة، مثلما حدث في الدول المتقدمة.
على الرغم من سهولة العلاج نسبيا فإن اهتمامات العالم الغني ليست موجهة نحو هذا المرض. على سبيل المثال لقد تمكنت أبحاث الإيدز من تخفيض تكلفة الدواء للمرض بصورة كبيرة جدا، بينما ظلت تكلفة علاج النوع الخبيث من السل مرتفعة، والسبب واضح، وهو أن الإيدز مرض يصاب به أيضا الأغنياء، بينما السل هو مرض الفقراء وحدهم في أغلب الأحوال، ويحتاج خفض تكلفة الدواء إلى ميزانيات ضخمة للبحث والتطوير وهذه لا تملكها الدول الفقيرة غالبا، أو ربما إذا وجدت الميزانيات لا تتواجد الكفاءات البشرية المناسبة للقيام بتلك التجارب لابتكار أدوية أكثر فاعلية وأرخص ثمنا، ومكافحة السل ليست من أولويات الدول التي تملك تلك الإمكانيات، ووفقا لمنظمة الصحة العالمية ربما يحتاج العالم إلى أكثر من 50 مليار دولار في السنوات الخمس المقبلة للإنفاق على برامج البحث والتطوير في مجال السل، فمن يا ترى سيتولى تدبير هذه الميزانية الضخمة؟ وحتى تتم الإجابة عن هذا السؤال سيظل فقراء العالم يموتون من هذا المرض.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي