الجامعيون وأنظمة الخدمة
تواجه إدارات العلاقات العامة في مختلف الدوائر الحكومية أزمة حقيقية بعد بضع سنوات في واحد من أهم نشاطاتها، ألا وهو حفل تكريم المتقاعدين. ستضطر الإدارة للبحث عن المتقاعدين، لأن الجيل الذي ولد كله في الأول من شهر رجب من كل عام سيبدأ في الاختفاء لصالح جيل شهادات الميلاد وقابلات المستشفيات. رحمك الله (يا غلبا) وغلبا هي جارتنا التي ساهمت في تسهيل ولادة محدثكم. كما كان يفعل الجيران والأقارب في كل المملكة.
خلال الأيام الماضية تقاعد ثلاثة من معارفي في حفلات مهيبة. كل واحد منهم له ظروف وسنوات خدمة وراتب تقاعدي مختلف. الأول اضطر (لضيق الحال) للالتحاق بالوظيفة التي (دبرها) له خاله بعد حصوله على شهادة المعهد الملكي الفني بالمرتبة الخامسة، وحمد الله. أما الثاني فقد أكمل دراسته الجامعية ليتخرج ويحصل على وظيفة بالمرتبة السابعة. أكمل الثالث دراسته في الولايات المتحدة وتخرج بشهادة الماجستير، وعاد ليلتحق بوظيفة عسكرية برتبة ملازم أول.
تقاعد الأول على المرتبة الثالثة عشرة وبحكم إكماله 40 سنة في الخدمة ووصوله إلى آخر مربوط في المرتبة فقد حصل على راتب تقاعدي يبلغ 21835 ريالا، زاده الله من فضله. تقاعد زميله الثاني (خريج البكالوريوس) بعد أن أكمل 35 سنة في الخدمة وبالمرتبة الثالثة عشرة أيضاً وبراتب تقاعدي بلغ 18050 ريالا بحكم عدم إكماله سنوات الخدمة الـ 40 وعدم وصوله آخر درجات السلم الوظيفي. وقع الثالث في (حيص بيص)، فقد تقاعد برتبة عقيد وحصل على راتب تقاعدي بلغ 11462 ريالا.
يختلف نظاما الخدمة المدنية والعسكرية بكون الأول يلزم الدولة بإبقاء الموظف حتى يبلغ الستين من العمر أو يكمل 40 سنة من الخدمة، أما نظام الخدمة العسكرية فيعتمد على الشواغر في الدرجة الأولى، ففي حال عدم وجود وظيفة شاغرة، يحال الضابط إلى التقاعد. هذا الاختلاف هو ما جعل الأول يكمل الـ 40 سنة فيحصل على راتب كامل، والثاني يخدم 35 سنة. أما الثالث فلم يخدم أكثر من 19 سنة.
هذه الأنظمة صيغت عندما كانت الثانوية العامة هي الشهادة الأساسية لدخول الخدمة العامة. تعتبر الأنظمة ـــ على هذا الأساس ـــ طاردة للكفاءات والمؤهلين بشهادات عليا. تخيلوا لو استمر الثلاثة في الدراسة وحصل كل منهم على درجة الدكتوراه فكيف سيكون حالهم؟ سيناقش البعض قضية التأهيل، وإمكانية أن يعمل الشخص بشهادته وما إلى ذلك، لكنهم لم يرسلوا سيرتهم الذاتية لشركات ولا يعلمون كم هي طاردة وظائف القطاع الخاص لذوي التأهيل العالي، خصوصاً إذا اقترن ذلك بتجاوز سن الـ 60.
لا بد أن تعاد دراسة سنوات الخدمة المطلوبة لكل مؤهل تعليمي، حيث نطالب الحاصل على شهادة البكالوريوس مثلاً بخدمة أقل بخمس سنوات من مثيله الحاصل على شهادة الثانوية العامة ليحصل على الراتب كاملاً، ويخفض عدد السنوات كلما ارتفعت الشهادة العلمية التي يدخل بها الموظف سلك الخدمة بما يتوازى مع عدد السنوات التي يقضيها الموظف في تحصيل الشهادة العلمية التي يدخل بها السلك الوظيفي. علماً أن نوعية الخدمة التي يحصل عليها القطاع ترتفع بارتفاع المستوى التعليمي للموظف.
نقطة أخرى مهمة وهي مراعاة قضية فروق الدخل. الطالب عندما يكون في مراحل الدراسة خارج الوظيفة يحصل على مكافأة، يصرف عليه والداه أضعافها ليعيش، بينما يحصل الموظف الذي لم يكمل تعليمه على رواتب خلال هذه الفترة. هذا ما جعل الكثير من الموظفين الذين دخلوا السلك الوظيفي في سن مبكرة، أكثر دخلاً واستثماراً من زملائهم الذين استمروا في التحصيل العلمي. صحيح أن الرزق بيد الله وحده، لكن وجود مبالغ جيدة بيد شخص في سن ليس مسؤولاً فيها عن أسرة، يعطيه المجال للدخول في أعمال ذات مردود عالٍ، بينما يفكر خريج الجامعة أول ما يفكر عند حصوله على الوظيفة في الزواج، وتصبح إعالة الأسرة هي المصرف الرئيس لراتبه.
فكرة صرف مكافأة للجامعيين كانت مفيدة ويمكن أن تكون وسيلة للتعويض المالي ومساعدة في بناء الأسرة، لكن الأهم من ذلك هو ألا يتأثر دخل المتقاعد (لأسباب غير تأديبية) جراء التقاعد. المعلوم أن الالتزامات لا تنخفض ببلوغ سن التقاعد بل تزيد بحكم الوضع الاجتماعي في المملكة. والذي أراه أن تبقى للمتقاعد جميع بدلاته ومكافآته التي كان يحصل عليها، لسبب بسيط وهو أننا لا نريد أن نكون مجتمعاً جاحداً يرتبط فيه التقاعد بانحدار الدخل.
أذكر هنا أن الزميل الذي تقاعد برتبة عقيد كان راتبه الشهري يتجاوز 30 ألف ريال. أتمنى أن يشرح لي أحد كيف يمكن أن يعيش هذا الإنسان بعد تقاعده على 30 في المائة من دخله السابق!