رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


انقطاع المياه المتكرر

تعاني الجزيرة العربية منذ آلاف السنين من شح المياه. وقد كان التطاحن بين المكونات الاجتماعية المختلفة في الجزيرة العربية يعود إلى حد كبير لندرة المياه. وسعت المملكة ومنذ تأسيسها إلى التصدي لهذه المعضلة بالطرق والوسائل كافة، ومكنت التقنية الحديثة وتوافر الموارد المالية هذه البلاد العزيزة من توفير موارد مائية لا بأس بها لساكنيها. وأدت الزيادات السكانية المتسارعة والنمو الاقتصادي القوي وتمدد المدن واتساعها إلى زيادة الحاجة إلى مزيد من الموارد المائية. وتوجد برامج وخطط ضخمة لتوسعات ضخمة في المدن وأمل كبير في رفع معدلات النمو الصناعي والتجاري والزراعي وفي الخدمات الأخرى كافة. ومع كل هذا الأمل بمزيد من النمو يغفل الكثير منا أو يتناسون أنا نعاني من نقص كبير في المياه سواء الصالحة للشرب أو للأغراض الأخرى. ويشهد على ذلك التخلي عن زراعة القمح والانقطاعات المتكررة لمياه الشرب في كبرى مدن المملكة، فكلما اقترب فصل الصيف وأزداد لهيب الحر بدأت فصول جديدة من المعاناة السنوية لسكان المملكة مع انقطاع المياه. ولا تختلف مدينة الرياض عن غيرها، فرغم أنها المركز الرئيس لهذه البلاد العزيزة إلا أنها تشارك باقي أجزائها بمعضلات المياه. وقد شهدت هذه السنة اتساعا كبيراً في المناطق التي تعاني من انقطاع المياه، وارتفعت أسعار صهاريج المياه أو الوايتات عدة مرات في أوج أزمة انقطاع المياه في مدينة الرياض.
وقد ذكر وزير المياه والكهرباء ـــ كما ورد في جريدة ''الاقتصادية'' يوم الخميس العاشر من رجب ــــ أن انقطاع المياه عن أجزاء كبيرة من جدة والرياض هذه السنة مسألة استثنائية وأنها حدثت بعد الصيانة الدورية. ومع أنه لا يوجد شك في مصداقية الوزير، إلا أن وصفه مسألة انقطاع المياه بالاستثنائية في هذا الوقت أمر غير دقيق، فانقطاع المياه أصبح أمراً متكرراً ومألوفاً لكثير من سكان المملكة. وشهدت السنوات الماضية وخلال فترة كل صيف انقطاعات لمياه الشرب عن أجزاء كبيرة من مدينة الرياض، والتي أسكن وأعيش فيها مع ملايين البشر الذين عانوا خلال السنوات الماضية من هذه المعضلة. أما تبرير الوزير بأن انقطاعات المياه جاءت نتيجةً للصيانة الدورية فلا أعتقد بأنه منطقي أو مقنع، حيث يمكن القيام بالصيانة الدورية خلال فترة تراجع استهلاك المياه أي خلال فصل الشتاء أو مباشرة بعد فصل الصيف الذي يشهد ارتفاع معدلات الاستهلاك، كما يمكن القيام بعمليات الصيانة دون التسبب في انقطاع المياه.
من جهةٍ أخرى يحاول بعض المسؤولين إلقاء اللوم على المستهلك ويتهمونه بالتبذير في استخدام المياه، حيث ورد أن معدل استهلاك الفرد في مدينة الرياض يصل إلى 330 لتراً في اليوم. وتم الحصول على هذا الرقم من قسمة كمية المياه التي تضخ يومياً إلى مدينة الرياض على عدد سكان المدينة. وهنا أود أن أتساءل هل تصل إلى مدينة الرياض هذه الكمية باستمرار وخلال فترة انقطاعات المياه، أم أن هذه الكمية هي معدلات الضخ القصوى؟ وهل توجه هذه الكميات إلى المنازل فقط أم أن القطاعات الصناعية والتجارية والحكومية والبلدية وجميع القطاعات الخدمية تشارك في استهلاك وإهدار هذه الكمية. كما ينبغي ألا ننسى أن كميات كبيرة من المياه تهدر من خلال التسربات التي تعانيها شبكات المياه التي تديرها شركة المياه. ولا يولي العديد من القطاعات ترشيد استخدام المياه الاهتمام الكافي، بسبب سياسة تسعيرها والتي تقلل من فوائد استخدام سياسات ترشيد المياه. وتشارك جميع القطاعات في استهلاك وإهدار الكميات الضخمة من المياه، ومن الخطأ تحميل الاستهلاك المنزلي كامل وزر إهدار المياه كما يحاول بعض المسؤولين تصويره.
إن معضلة المياه هي أهم تحد يواجه هذه البلاد في الوقت الحالي ومستقبلاً، وما لم يتم التغلب على هذا التحدي فإن آفاق العيش المريح والنمو المستقبلي للقطاعات الاقتصادية سيكون محدوداً. ولا تساعد سياسات وأحجام الاستثمارات العامة والخاصة في قطاع المياه الموجودة حالياً في التغلب على معضلة شح المياه، كما لا تساعد سياسات إدارة موارد وتسعير المياه في جذب الاستثمارات إلى قطاعات إنتاج وتطوير واستخدام المياه. وعلى الرغم من الشح الكبير في المياه وكثرة المؤسسات العلمية من جامعات ومؤسسات بحثية تتحدث عن إنجازات علمية ضخمة، إلا أننا لم نشهد أي طفرة في أبحاث المياه في هذا البلد الكريم. أما بالنسبة لأسلوب إدارة المياه فلقد تم تحويل قطاع المياه الحكومي إلى شركة ومع هذا استمرت نفس المعضلات في الحدوث، وهذا يرجع إلى استمرار الأشخاص أنفسهم والممارسات في إدارة قطاع المياه. إن التغلب على التحديات في قطاع المياه يتطلب إبداعات وطاقة جديدة، وتغييراً جوهرياً وجريئاً في السياسات والممارسات والأدوات التي تحكم هذا القطاع، كما يتطلب توجيه المزيد من الموارد العامة والخاصة لزيادة الموارد المائية وترشيد استهلاكها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي