لعله خير لكن بحذر.. هيئة المقيمين المعتمدين
لعله خير خبر موافقة مجلس الوزراء على إنشاء الهيئة السعودية للمقيّمين المعتمدين، وهي الهيئة التي يجب عليها أن تحول عملية التثمين في المملكة إلى مهنة حقيقية وسوق فاعلة تخدم الاقتصاد وتقدم قيمة مضافة. لن تكون مهنة التثمين العقاري حقيقية ما لم تتوافر أركان رئيسة، وهي معايير مقبولة للتثمين وأخلاق مهنية وهيئة منظمة وتعليم مستمر واختبارات للاعتماد المهني، على أن الجزء الأول من المهمة انتهى، لكن أمام الهيئة مهام أخرى أكثر تعقيدًا وهي التحدي الفعلي، فمعايير التثمين العادل قضية شائكة، ومعايير الأخلاق المهنية ثم الاختبارات والدورات المهنية المعتمدة كلها ستمثل تحديًا حتى تكون لدينا مهنة تستحق الاحترام. لا نطلب من هذه الهيئة الوليدة أن تخلق ذلك من العدم، لكن يكفيها أن تصهر المراحل كما فعلت جمعية المراجعين الداخليين، وذلك بالتعاون مع مؤسسات وهيئات دولية، وتخلق نوعًا من التوأمة المناسبة لها.
قلت لعله خير، ذلك أن وضع التثمين العقاري مزرٍ جدًّا في المملكة فقبل أقل من شهر صرح رئيس اللجنة العقارية في الغرفة التجارية الصناعية في مكة المكرّمة، بأن أحد المثمنين العقاريين ''المعتمدين دوليًّا'' قدّر عقارات جبلية في شارع الحج بمبلغ تجاوز 130 مليون ريال، بينما السعر الحقيقي لهذه العقارات يبلغ نحو 3.2 مليون ريال. قد يبدو من هذا أن العقاريين والمثمنين يسعون إلى تضخيم المبلغ أملاً في نسب أعلى من العمولة لمن هذا ليس بالضرورة صحيحًا، فقد تم نزع عقار لمصلحة مشروع جبل عمر بمبلغ 25 مليون ريال، بينما كانت هناك عروض له بمبلغ 55 مليون ريال، فأي الفريقين كان تثمينه صحيحًا؟ كل هذا وغيره كثير يشير وببساطة إلى أن هناك تفاوتًا واسعًا جدًّا بين معايير التثمين وخبرة أهله في المملكة (إن وجدت فعلاً مثل هذه المعايير لديهم).
قلت لعله خير لكن بحذر، فهذا المشروع مرتبط ارتباطًا وثيقًا بمشكلة الرهن العقاري، وإذا أطلق مشروع الهيئة فقد يتم إطلاق مشروع الرهن، فالحذر واجب طالما يمكن تقييم مساكن صغيرة جدًّا (بعضها كفحص قطاة في مهب رمال الصحراء) بمبالغ توازي منازل فسيحة على ضفاف نهر التايمز، فاختلاف معايير ومفاهيم التقييم ومنهجيته سيزيد الأمور سوءًا مع الرهن العقاري، خاصة إذا ظهرت أخطاء فادحة في التثمين. فقد يتخذ المشتري بالرهن قرارات خطيرة كأن يتوقف عن السداد تاركًا المنزل للراهن يتصرف فيه ليكتشف الأخير بنفسه فداحة الخسارة التي وقع فيها الطرفان، بينما حقق المثمن والبائع مبتغاهما من تضخيم رقم التثمين. وفي كل الأحوال فإن مسؤولية المثمن حتى اليوم تعد مسؤولية محدودة جدًّا، بل هامشية ولا توازي حجم الأضرار والمخاطر التي قد يتسبب فيها، خاصة إذا وصل إلى هذه المهنة غير متخصصين أو غير شرفاء. المشكلة في التثمين أنه يعتمد على منهجية القيمة العادلة التي بدورها تعتمد على سعر سوقي ومعلومات عن الفائدة ذات العلاقة، لكن سعر السوق يعرفه ويقدره المثمن وسعر الفائدة بيد البنك والمشتري هو المواطن فأي الثلاثة سيكون الضحية.
قلت لعله خير بحذر، ذلك أن المشروع أكبر من مجرد هيئة ومجلس إدارة ولو كان رئيسه الوزير، بل هو مشروع اقتصادي مهم ومصداقية وشفافية، مشروع يتعامل مع مفهوم مرن ومطاط جدًّا، بل خطير أحيانًا، وهو مفهوم القيمة العادلة. ولعلي أوضحت في أكثر من مناسبة خطورة هذه المفهوم إذا تم التعامل معه بطريقة غير حريصة أو من غير المؤهلين في عمليات التقييم. فقد أصبح من فضول الكلام أن السبب الأساس في ظهور ونشوء الأزمة المالية هو مشكلة تقييم الرهونات العقارية والتلاعب الذي استغل مفاهيم القيمة العادلة، لكنه لم يقدر خطورتها. فكلمة عادلة تدل على وجود صعوبة في التقييم، وأن القضية ليست قطعية، فليست قضية سعر السوق أو تكاليف حقيقية، بل هي في نهاية الأمر تقديرات وفقًا لمعلومات عن الصفقات الفعلية في السوق، فنحن نقيم ما لم يتم بيعه وفقًا لما تم بيعه، لكن هذا يأتي ''دائمًا'' وفق قاعدة ضمنية مفادها ''غض النظر عن بعض الفروقات التي يقدرها المثمن بأنها غير جوهرية''.
قلت لعله خير ذلك أن مهنة التقييم وظهورها على الساحة سيؤثر بشكل جوهري في القوائم المالية للشركات المدرجة في السوق، حتى غير المدرجة، بل له آثار أكثر عمقًا من خلال تطبيق معايير محاسبية لم يكن بالمقدور تطبيقها سابقًا، خاصة تلك المتعلقة باعتبارات القيمة العادلة عند تقييم الأصول. لعله خير خاصة أن المملكة أقرت التوجه للمعايير الدولية التي ترى ضرورة تقييم الأصول بالقيمة العادلة، بينما كانت المعايير السعودية تراها بالتاريخية.
إن اعتماد القيمة العادلة عند التقييم ستترتب عليه مشكلات محاسبية كبيرة، وتغيرات واسعة النطاق في القوائم المالية للشركات. فإذا تزامنت قرارات التحول لمعايير المحاسبة الدولية مع إنشاء هيئة المقيمين الدوليين وظهور مشروع الرهن العقاري، فإن احتمالات تورطنا في أزمة الرهون العقارية كالتي وقعت في الولايات المتحدة ستكون أكبر بكثير مما نتوقع، خاصة إذا لم تظهر مؤسسات حقيقية قادرة على شراء الرهن المعروض للبيع بأسعار عادلة فعلاً.
قلت لعله خير، لكن الحقيقة أن التحديات التي يواجهها الاقتصاد السعودي تزداد صعوبة، والعلاقات بين المفاهيم تزداد تعقدًا، ومع ضعف واضح في الإفصاح ونزعة إلى التحفظ بدلاً من الشفافية، ومع قلة الخبرات المتوافرة لدينا ونحن نتوجه إلى آليات اقتصادية متقدمة، فإن احتمالات التعثر واردة، ويجب أن نعمل ونتقدم بحذر.