لتحقيق الشفافية والعدالة .. توزيع آلي لخريجي الثانوية العامة

تمر أغلبية الأسر السعودية في حياتها بمرحلة التخرج في الثانوية العامة من أربع إلى سبع مرات، حسب عدد الأبناء. تضطر الأسرة إلى أن تعيش هذه المرحلة بما فيها من الضغط النفسي والمالي والإرهاق الذهني. حالة ولدت مع الجيل الذي دخل الجامعات أوائل التسعينيات، قبلها كانت الثانوية العامة مخيفة، لكنها لم تكن بالأثر ذاته في الأسرة والأبناء.
يبقى الآباء والأمهات في حالة من اليقظة طول العام الدراسي، يراجعون مع أبنائهم، ويتابعون سير دراستهم، يبذلون كل شيء من أجل أن يحصل الأبناء على أفضل النتائج. تزدهر سوق الدروس الخصوصية، وتضع المدارس الخاصة الشروط والرسوم من دون قيود، ويذعن لها الجميع. يلتحق الجميع بدورات إعدادية مختلفة سواء لاختبار قياس القدرات أو التحصيلي أو اللغة الإنجليزية أو الحاسب الآلي. البعض تجاوز هذا بمراحل ليقدم لأبنائه دورات في الذكاء وتخصيب الذاكرة.
يتوجه آخرون لإجراء الفحوص الطبية للتأكد من أنه ليس هناك ما يعوق التحاق أبنائهم بمجالات معينة تتطلب اجتياز الكشف الطبي. تزدهر عمليات التشطيب بالليزر، سوق الفيتامينات، وتقويم الأسنان، ومعالجة العيوب الخلقية الممكن علاجها.. من يدري ماذا يحمل المستقبل من متطلبات وإجراءات احترازية!
يذكرني الحال بعمليات الهجوم والدفاع، الجامعات والكليات والمعاهد التدريبية تهاجم الأسر بمتطلبات جديدة كل عام، والأسر تقوم بعمليات الدفاع من خلال التدريب والفحوص وتطوير المهارات لدى أبنائها. منذ أن بدأت نسبة الثانوية العامة في التأثير في مسار الطالب، وانطلقت ''تجارة'' المدارس الخاصة، أصبحت العملية أبعد ما تكون عن التربية. أصبحت المدارس الخاصة هي الملاذ للحصول على المعدلات العالية. طبق بعدها القياس والتقويم ليوجد بعداً جديداً في المعادلة يحد من أهمية ثلاث سنوات دراسية هي عمر الثانوية العامة. أتت المرحلة الثالثة وهي ضم معدلات السنوات الثلاث في الثانوية العامة منتجة ''المعدل التراكمي''. جاءت مرحلة ''كسر العظم'' وهي مرحلة تطبيق نتيجة الاختبار التحصيلي، وفيه هزمت مرة أخرى فكرة المدارس الخاصة ''الربحية''، ثم ألغيت أهمية جميع المقررات ما عدا أربع أو خمس مواد فقط، جديد هذا العام هو إضافة نتيجة اختبار الكفايات في اللغة الإنجليزية لطلبة لا يجيد مدرسهم نفسه اللغة.
أصبحت لدينا اليوم مجموعة من المدارس التي تؤهل الطلبة على مستوى عال جداً. هذه المدارس تقبل فئات معينة وتضع رسوما لا يتحملها المواطن العادي. تحقق هذه المدارس كل المتطلبات لأغلبية طلبتها بما يضمن أن يكونوا أول المنافسين عند التقدم للدراسة الجامعية. ظاهرة خطيرة تحرم ذوي الدخل المحدود من فرصة المنافسة الشريفة على التخصصات المطلوبة في سوق العمل. كما تكرس الطبقية الاجتماعية الناتجة عن ضمان فرص أفضل لفئة معينة بناء على القدرة المالية فقط، بمعنى آخر خلق فئتي النبلاء والفقراء.
يأتي تخرج الطالب والطالبة وتختفي الفرحة بمجرد البدء في البحث عن الفرص المتاحة. أحسنت بعض الجامعات - وأكبرها جامعة الملك سعود - عندما عرضت المقاعد المتوافرة فيها وفي جاراتها من الجامعات في نموذج موحد. لكن الفرص كثيرة، والجهات التي يصل الطالب إلى معلوماتها محدودة. يضطر الطالب للبحث في المنتديات، والتراسل بالإيميل، ومتابعة الصحف في عملية بحث لا تهدأ. يعبئ أبناؤنا وبناتنا النموذج بعد الآخر، ولكل نموذج جهة، ولكل جهة شروط، وأرقام هواتف، وعلاقات، وشفاعات، يصل الحال إلى أن يقبل بعض الخريجين في كل الجهات التي تقدموا للالتحاق بها، ويبقى خريجون غير مقبولين في أي جهة.
تستدعي هذه المعاناة وقفة من كل مسؤول عن حياة الطلبة بعد الثانوية العامة. كل الجامعات والكليات والمراكز والمعاهد يجب أن تحصر في برنامج حاسب آلي موحد تدرج فيه جميع الفرص الوظيفية والتعليمية المتاحة، دون استثناء. تتم المفاضلة من خلال خطوات بسيطة كالتالي:
- يُدخِل المتقدم معلوماته كلها مرة واحدة في نموذج يحتوي متطلبات جميع القطاعات العامة والخاصة التي تعرض فرص ما بعد الثانوية العامة وما في حكمها.
- يُعطَى المتقدم المجال لاختيار ما لا يقل عن 20 فرصة متاحة حسب ملاءمتها للمؤهلات التي يحملها.
- تتم مطابقة المعلومات مع السجلات الرسمية آلياً.
- يقوم البرنامج بالمفاضلة دون تدخل بشري.
- يعرض البرنامج على المتقدم الفرص المتاحة التي تنطبق عليه أو عليها.
- يختار الطالب/ الطالبة الفرصة الأكثر ملاءمة، ومن ثم يتيح الحاسب الآلي الفرص الأخرى لباقي المتقدمين.
- تقدم كل جهة ما يثبت التزامها بنتائج عمليات المفاضلة التي تمت بواسطة الحاسب الآلي، من خلال تزويد جهات رقابية - يتم تحديدها كجزء من التنظيم - ببيانات المقبولين والملتحقين بالبرامج والمعتذرين وأسباب الاعتذار موثقة.
قد يسهم تنظيم كهذا في إلغاء المشكلة الأزلية التي حرمت الوطن من أفضل مهارات أبنائه وبناته ''الواسطة والمحسوبية''.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي