التهريج .. الصناعة الرخيصة
هل التهريج صناعة ومهنة تدر على صاحبها مكاسب مادية ومعنوية؟ نعم هو كذلك. تنزل في إحدى الدول وتذهب إلى إحدى الساحات فيشدك تجمع كبير يتوسطه شخص على كرسي أو شخص مرتفع، وقد يغريك المشهد، وتقف مع الجمهور لتستمع إلى ما قد يقوله، وقد تفاجأ بأنه لا يقول شيئاً له معنى، أو ذا قيمة تذكر عدا أنه قد طرح نكتاً أو قصصاً مسلية لهذا الجمهور الذي قد يجد في هذا النشاط خروجاً على المألوف، وتفريغاً لشيء من متاعب الحياة ومشاقها، التي تزيد عند البعض بسبب الجفاء الفكري وضعف الوازع الديني. واحترف البعض هذا النشاط حتى أصبح مصدر رزق لهم، خاصة أنهم يجدون من يدفع لهم من خلال الاستماع لهم، وإبهاجهم بما يقول من رخيص القول.
وإذا كان هذا النشاط غير المنظم، الذي يعقد في مكان عام خاصة بالقرب من الأسواق والمطاعم، فإن مهرجين آخرين يجدون منافذ رسمية من خلال المجالس التي يكون لهم عضوية فيها، أو من خلال منابر إعلامية، أو رسمية تتاح لهم ويستغلونها لطرح ما يحلو لهم دون أن يكون ما يقولونه منطقياً، أو له قيمة ومردود في حياة الناس. أفراد كُثر يمارسون هذا الدور، ولو قدر لك واستمعت إليهم في برامجهم الإذاعية أو التلفزيونية أو لو قرأت ما يكتبون من مقالات في الصحف أو في وسائط التواصل الاجتماعي مثل تويتر أو فيسبوك لما وجدت فيما يقولون لا طعم ولا رائحة ولا لون، إذ لا تجد فكرة ناضجة ولا مشروعاً مطروحاً يفيد الأفراد أو المجتمع، كما لا تجد معلومة صحيحة أو ما يثير الذهن ويحفزه على التفكير، والأدهى والأمر أن مثل هؤلاء يتناقضون مع أنفسهم فتجده يطرح فكرة ثم لا يلبث أن يطرح نقيضها، وفي المكان نفسه أو المناسبة حتى إنه ربما قال الشيء ونقيضه في الوقت نفسه.
ترى لماذا هؤلاء على هذه الشاكلة؟! من دون شك أن هناك أسبابا عدة منها ما هو حاجة نفسية تتمثل في الرغبة في الحديث بغض النظر عن معنى وفائدة هذا الحديث، وهذه الحاجة تصل في بعض الأحيان إلى حالة مرضية عند البعض حتى إنهم بوضعهم هذا يعوقون عمل المجالس، كما أنهم قد يتسببون في اتخاذ قرارات ونقيضها، ما يسبب حرجاً للمجالس التي ينتمون إليها، كما أنهم يربكون عمل الجهة التي يعملون فيها، حيث يتحول حديثهم أو جدلهم إلى مضيعة للوقت وإهدار للجهود. كما أن من الأسباب إثبات الذات وإشعار الآخرين بأنه مهم ومؤثر حتى لو كان ما يقوله لا قيمة له.
صناعة الكلام صناعة لا يجيدها أي أحد، وتحتاج إلى تمرس وتدريب يمكن صاحبها أو محترفها من الإقناع والقبول، ولهذا نجد من عموم الناس من يتقبل ما يقوله شخص بكامل حذافيره ويؤمن به أشد الإيمان، ولا يرضى بمسه أو نقده. المحترفون يبرزون بشكل كبير في وسائل الإعلام، وذلك لأنهم يحققون مكاسب ضخمة منها المكانة الاجتماعية، إضافة إلى المكاسب المادية التي بفضل هذه الصناعة تحولوا إلى واقع مختلف قبل أن يدخلوا هذا الميدان.
السياسيون في الغالب يتفننون في صناعة الكلام حتى يصل الأمر بهم إلى التهريج لكنهم يتقنون في كثير من الأحيان، خاصة المتدربين منهم، تنميق الحديث وإظهاره بشكل أنيق ومحكم ومقنع في الوقت ذاته، ولو بشكل مؤقت، لكنهم مع الأيام قد ينكشفون أمام الملأ، وبالأخص حين يكون هناك وعود تمس مصالح الناس، أو حين يكون الحديث مرتبطاً بشيء من الثوابت الاجتماعية.
السياسيون الغربيون في الغالب يهتمون بالحديث والتصريحات ويتدربون على هذه الأشياء تدريباً دقيقاً حتى يتجنبوا الوقوع في الخطأ، لذا يكتبون ما يرغبون الحديث فيه دون ارتجال كما يحلو لنا، وذلك حرصاً منهم على التأثير وعدم الوقوع في مزالق الحديث التي قد تؤخذ عليهم، خاصة أنهم معرضون للمحاسبة والمساءلة من قبل وسائل الإعلام، ومن قبل المجالس النيابية، وفي أوقات الانتخابات، ولنا في المناظرات السياسية خير مثال على ذلك وآخرها ما تم بين الرئيس الفرنسي المنتهية ولايته ساركوزي وهولاند حيث ذكره بوعود قالها قبل خمس سنوات لكنه لم يف بها.
التهريج ليس له قنوات محددة، بل قد يكون في المجالس أو وسائل الإعلام أو في المجالس الرسمية والاجتماعات، كما أنه يمارس من قبل كل الفئات طالما أن خصائص المهرج تتوافر في الشخص. إعلاميون كثيرون أو هكذا يوصفون، يهرجون كثيراً على القنوات الفضائية، ما يخدع مشاهديهم بما يقولونه رغم أن ما يقولونه ما هو إلا كلام لا يمكن أن تقبله العقول السليمة، ولنا في إعلاميي النظام السوري المدافعين عنه من سورية أو من لبنان خير شاهد على المهرجين الذين جعلوا من التهريج صناعة لهم.