رسالة الخطأ

  • لم يتم إنشاء الملف.
  • لم يتم إنشاء الملف.


الروبية الهندية في مهب الريح

الهند هي أحد أهم الاقتصادات الواعدة في العالم اليوم، وتتزايد التوقعات بأن يلعب الاقتصاد الهندي دورًا رائدًا على المستوى الدولي، بعضها يتوقع أن تصبح الهند الاقتصاد الأول في العالم بحلول عام 2050، ومن وقت إلى آخر تجري المؤسسات الاقتصادية والمالية في العالم مقارنة بين الأوضاع الاقتصادية في الهند (معبرًا عنها بالفيل الهندي) مقارنة بالصين (معبرًا عنها بالتنين الصيني)، أيهما ستكون له الغلبة في المستقبل، باعتبار أن قيادة العالم من الناحية الاقتصادية كانت دائمًا بين هاتين الدولتين قبل صعود الغرب في العصر الحديث. هذا العام بدأت الشكوك تتزايد حول مدى صحة واعتمادية مثل هذه التوقعات للفيل الهندي مع استمرار تعرض العملة الهندية لضغوط الانخفاض المستمر في قيمتها، بحيث أصبحت الروبية الهندية تعد الآن أضعف العملات بين عملات الدول الناشئة في آسيا، فالعملات الآسيوية بشكل عام تتراجع خلال هذه السنة، لكن الأداء الهندي كان الأسوأ بين مجموعة الدول الناشئة في آسيا، بل إن بعض المصادر تصنف تطورات الروبية على أنها تمثل رابع أسوأ أداء للعملات على مستوى العالم هذا العام بعد الراند الجنوب إفريقي والليرة التركية والشلن الكيني.
ففي كانون الثاني (يناير) 2011 كان معدل صرف الروبية إلى الدولار الأمريكي 45.5 روبية للدولار تقريبًا، واستمر تراجع معدل صرف الروبية على نحو واضح إلى أدنى مستوياته يوم الأربعاء 23/5/2012، حيث بلغ معدل صرف الدولار 56.0052 روبية، وشهدت الأيام القليلة الماضية تراجعًا محدودًا لمعدل صرف الدولار بالنسبة للروبية، ففي اليوم الأحد 27/5/2012 بلغ معدل صرف الدولار 55.4 روبية، ويعني ذلك أن الروبية الهندية خلال العام ونصف الماضي تراجعت بنسبة 24 في المائة تقريبًا، وهو بكل المقاييس من أعلى معدلات التراجع في العالم.
التوقعات المستقبلية حول مسار الروبية الهندية أيضًا متشائمة بسبب طبيعة التوقعات السائدة حاليًا حول الأداء الاقتصادي للهند في المستقبل، ولهذا التشاؤم أسباب متعددة، أهمها العجز في ميزان المدفوعات الهندي، فمن الناحية النظرية تعد العملة الوطنية مرآة لميزان مدفوعات الدولة، وينقسم ميزان المدفوعات إلى ميزان العمليات الجارية وميزان العمليات الرأسمالية، ميزان العمليات الجارية يشمل الميزان التجاري التي تسجل فيه قيمة صادرات وواردات الدولة من السلع، وميزان الخدمات، ويشمل صادرات وواردات الدولة من الخدمات مثل النقل والتأمين... إلخ، إضافة إلى صافي التحويلات للدولة. أما ميزان العمليات الرأسمالية فتسجل فيه تحركات رؤوس الأموال من وإلى الدولة، ويعد الميزان التجاري أهم هذه الحسابات في ميزان المدفوعات للدول الناشئة، حيث تلعب تنافسية هذه الدول دورًا مهمًّا في الانتشار الجغرافي لصادراتها من السلع، التي تستند بصفة أساسية إلى انخفاض تكاليف الإنتاج مقارنة بمنافسيها من باقي دول العالم، وحيث إن استراتيجيات النمو في الدول الناشئة، مثل الهند، قائمة على التوجه أساسًا نحو الخارج، فإن الميزان التجاري يلعب دورًا مهمًّا في نمو هذه الدول، لذلك فإن قيمة عملات الدول الناشئة ترتبط أساسًا بالتطورات في هذا الميزان.
الوضع بالنسبة للهند مختلف عن باقي الدول الناشئة حاليًا، فعلى مدى الفترة من 2000 -2012 لم تحقق الهند أي فائض في ميزانها التجاري، إنما على العكس استمرت تحقق عجزًا متزايدًا بشكل عام، بل إن الفجوة في ميزان مدفوعات الهند تتسع نتيجة لارتفاع وارداتها من السلع التجارية العالمية الرئيسة بصفة خاصة النفط والذهب على نحو مثير للقلق، حيث تميل قيمة واردات هاتين السلعتين إلى الارتفاع المتواصل، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة فاتورة واردات الهند واتساع عجزها التجاري مع العالم الخارجي، ومن الناحية النظرية يفترض أن انخفاض قيمة الروبية سيساعد النمو من جانب الصادرات، لكن الأثر الصافي لتخفيض قيمة العملة في التجارة الخارجية للهند كان محدودًا بسبب تركيبة الواردات.
الهند تستورد أكثر من 70 في المائة من احتياجاتها النفطية من الخارج، وهي تقع ضمن قائمة الدول الجوعى للنفط، ووفقًا لآخر التقديرات فإن واردات الهند من النفط والذهب تمثل نحو 32 في المائة من واردات الهند، وعندما تعجز الصادرات عن مواكبة النمو في الواردات فإن عجز الميزان الجاري لا بد أن ينعكس على قيمة العملة، وهو ما يحدث حاليًا في الهند. وفقًا لآخر البيانات المتاحة فإن العجز الحالي في الحساب الجاري في الربع الثالث من 2012 يعد الأعلى منذ 17 عامًا. مثل هذه التطورات تؤدي إلى زيادة الطلب على العملات الأجنبية، بصفة خاصة الدولار، في سوق الصرف الهندي بشكل يتجاوز بكثير الكميات المعرضة منها، وهو ما يخلق عجزًا في السوق يؤدي إلى تزايد الضغوط على قيمة الروبية نحو التراجع.
أدى تراجع الروبية إلى فقدان الثقة بها، وهو ما ترتب عليه حدوث عمليات خروج لرؤوس الأموال من الهند، في الوقت الذي تراجعت فيه الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى الهند، وهو ما أدى إلى ضغوط إضافية على العملة، وفي اقتصاد ناشئ مثل الهند تلعب الاستثمارات الأجنبية دورًا حاسمًا في النمو؛ لأن استراتيجية النمو القائمة على التصدير تعتمد أساسًا على الشركات الأجنبية التي تقوم بالتصنيع ومن ثم التصدير من الهند للاستفادة من مزايا التصنيع هناك التي تتمثل بصفة خاصة في رخص أجور القوة العاملة والمزايا الضريبية.
من ناحية أخرى، فإن الضغوط على الروبية جعلت البنك المركزي الهندي Reserve Bank of India يضطر إلى التدخل في سوق النقد الأجنبي للدفاع عن الروبية ضد ضغوط الهبوط، وهو ما أدى إلى تراجع الاحتياطيات النقدية للبنك المركزي، فوفقًا لبيانات البنك المركزي الهندي فإن إجمالي الأصول الاحتياطية الدولارية تراجع من 281.6 مليار دولار في تشرين الأول (أكتوبر) 2011، إلى 257.9 مليار دولار في 12 أيار (مايو) 2012، أي بنسبة 9 في المائة تقريبًا. في ظل هذه الضغوط تتزايد الوقعات حاليًا باحتمال تعرض الهند لحركات خروج كبيرة لرؤوس الأموال إذا لم تتوقف الروبية عن التراجع، خصوصًا بعد أن قامت مؤسسة ستاندرد آند بورز بتخفيض التصنيف الائتماني للهند الشهر الماضي إلى BBB-، مع نظرة مستقبلية سلبية نتيجة تراجع النمو والأوضاع السياسية التي تواجهها الهند.
الهند تواجه أيضًا مشكلة هيكلية في ماليتها العامة، فكنسبة من الناتج المحلي الإجمالي بلغ عجز الحكومة المركزية وحكومات الولايات الهندية نحو 7 في المائة في المتوسط خلال الفترة من 2005 حتى 2011، حيث تتزايد الضغوط نحو تقديم المزيد من الدعم الذي تقدمه الحكومة للأسمدة وغاز الطهي والبترول والديزل، في الوقت الذي تتصاعد فيه الدعوات لتخفيض هذا الدعم إلى مستويات تستطيع الدولة تحملها. غير أنه في ظل وجود كتلة سكانية ضخمة مثل الكتلة الهندية بمستويات دخول منخفضة، فإن عملية السيطرة على العجز المالي تعد مشكلة حقيقية في الهند حاليًا، سواء على مستوى الحكومة المركزية أو على مستوى الولايات. بالطبع يترتب على ارتفاع نسبة العجز المالي إلى الناتج المحلي تزايد الضغوط على قيمة الروبية.
الاقتصاد الهندي يواجه أيضًا تراجعًا في معدلات النمو وارتفاعًا في معدلات التضخم في أعقاب الأزمة المالية العالمية، والبنك المركزي الهندي يواجه معضلة حاليًا تتمثل في ضرورة تخفيض معدلات الفائدة لتشجيع الطلب الكلي ولدعم النمو، لكن خفض معدلات الفائدة سيترتب عليه تدهور قيمة العملة بصورة أكبر، ومن ثم تغذية التضخم، وتشير البيانات المتاحة إلى أنه في عام 2011 بلغ معدل النمو في الهند 8.5 في المائة، هذا العام من المتوقع تراجع معدل النمو إلى نحو 7 في المائة، وهو ما دعا الحكومة إلى محاولة البحث عن مزايا أخرى وقطاعات أخرى يتم فتحها للاستثمار الأجنبي المباشر مثل قطاع التجزئة لدفع معدلات النمو.
تراجع قيمة الروبية يضيف أيضًا المزيد من الضغوط التضخمية وارتفاع الأسعار سواء الناجمة عن تفاعلات قوى العرض والطلب المحلي، أو التضخم المستورد من الخارج، بصفة خاصة مع ارتفاع تكلفة الوقود المستورد، على الرغم من الدعم الكبير الذي تقدمه الدولة للوقود والأسمدة. ففي عام 2009 بلغ معدل التضخم أقصى مستوياته عند نسبة 15 في المائة، انخفضت إلى نحو 10 في المائة عام 2010، وفي عام 2011 استمر تراجع معدل التضخم نحو التراجع إلى 6.5 في المائة، غير إن آخر البيانات المتاحة في نيسان (أبريل) 2012 تشير إلى ارتفاع التضخم إلى مستويات أكبر مما هو متوقع إلى 7.5 في المائة.
الدلائل تشير إلى تدخل البنك المركزي الهندي من وقت إلى آخر في سوق النقد الأجنبي، ويبدو أن البنك المركزي عازم على الحد من تراجع الروبية بصورة أكبر. فكما سبقت الإشارة شهدت الأيام القليلة الماضية ارتفاعا طفيفا في قيمة الليرة نتيجة عمليات التدخل، لكن من المؤكد أن هذه العمليات مكلفة وسيترتب عليها تراجع واضح في احتياطيات البنك المركزي من العملات الأجنبية، الأمر الذي يهز الثقة بالعملة.
باختصار الروبية الهندية تقف الآن في مهب الريح، حيث تعمل تشكيلة متسعة من العوامل في الضغط عليها نحو التراجع أهمها عجز الميزان التجاري وزيادة العجز المالي وتراجع معدلات النمو وانخفاض الاحتياطيات من العملات الأجنبية وارتفاع معدلات التضخم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي