رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


هل اقتصاد المملكة بمنأى عن الأزمة المالية الأوروبية؟

كما نعلم أن الأزمة التي تشهدها أوروبا حاليا تشكل أهم قضية اقتصادية تتابعها دول العالم بشكل دقيق ومستمر، ولا يخلو يوم من طرح موضوع في مقدمة عناوين النشرات الأخبارية والصحف المتخصصة، له ارتباط بهذه الأزمة التي أثرت في الأسواق في شرق العالم وغربه، فالأسواق المالية في شرق آسيا والولايات المتحدة تراقب بشكل دقيق انعكاسات الأزمة في أوروبا، وكل خبر سلبي أو إيجابي ينعكس بشكل مباشر وملحوظ على الأسواق العالمية، حتى أصبحت هذه الأسواق تسير بشكل متواز، فحين يأتي خبر من أوروبا تتأثر الأسواق نزولا أو صعودا في هذه القارة بالكامل، ثم تنقل هذا الأثر في الأسواق في الولايات المتحدة، ثم ينتقل هذا الأثر صباحا إلى الأسواق الآسيوية، فتتبعه الأسواق في الخليج العربي، في مشهد أصبحت الأسواق فيه كسوق واحدة، والسؤال هنا الذي قد يقلق المواطن اليوم: هل اقتصاد المملكة بمنأي عما يحصل اليوم في العالم من أزمات وتقلبات، وإذا كان كذلك فلماذا اقتصاد المملكة يختلف عن بقية أسواق العالم؟ ولماذا أصبح اتجاه السوق السعودية يتأثر بالأسواق العالمية؟
من خلال النظر إلى الحالة العامة للاقتصاد في المملكة، وبرامج الإنفاق الحكومي والمشاريع التنموية والبنى التحتية، والبرامج الاجتماعية والإنفاق الكبير على الصحة والتعليم بصورة غير مسبوقة، نجد أن هناك نوعا من الاستقرار الاقتصادي وعدم التأثر بشكل واضح من الأزمة، بل إن الخطط الحكومية لمجموعة من المشاريع في البنى التحتية التي قد تستمر إلى سنوات قادمة، توكد أنه ليس هناك قلق حكومي فعلي مما يحدث في أوروبا، وتصريحات وزير المالية الأخيرة التي أكد فيها أن تأثير الأزمة الأوروبية على المملكة ضعيف، وأن المملكة ماضية في مشاريعها وخططها التنموية، ويتوقع زيادة الإنفاق في الميزانية القادمة، كل ذلك يظهر مسألة ضعف الأثر سواء على مستوى الدخل والناتج القومي للمملكة، أو مسألة الإنفاق على المشاريع التنموية والبنى التحتية التي رصدت لها الحكومة مبالغ كبيرة. لكن الصورة مغايرة تماما في الأسواق المالية في المملكة والمنطقة، حيث إن حالة نزول وخسائر عمت الأسواق المالية في المملكة والمنطقة.
هناك أمور مهمة تتعلق بالأسواق المالية ومن ضمنها السوق المالية في المملكة، ففيما يتعلق بالشركات في المملكة فإن وضع الشركات سواء المساهمة أو غيرها لا يؤثر بشكل كبير في الوضع الاقتصادي للدولة، فزيادة أرباح الشركات أو خسائرها لا تنعكس بشكل كبير على مستوى الدخل في الدولة، حتى إن كانت الدولة تمتلك حصة كبيرة من الشركات الكبرى مثل ''سابك'' وشركة الكهرباء، و''الاتصالات السعودية'' والبنوك وغيرها، لكن الشركات المحلية تتأثر بشكل كبير بالدخل القومي، والإنفاق الحكومي، ولعل أكثر ما يؤثر في الدخل الحكومي هو أسعار النفط، وما زالت أسعار النفط حاليا تعد جيدة مقارنة بما قبل سبع سنوات ماضية، وتشهد خلال السنوات الخمس الماضية نوعا من الاستقرار في حدود 100 دولار، وهذا هو أكبر عامل لاستقرار الناتج القومي.
الأمر الآخر أن الأسواق العالمية ومنها السوق المالية السعودية تتأثر بسياسات المضاربين التي تعتمد على العمل على زيادة حركة التذبذب في الأسواق، وذلك بغرض تحقيق مكاسب عالية من خلال استغلال بعض الأخبار والتقارير التي يفترض ألا تؤثر كثيرا في الحجم الذي نشاهده اليوم في الأسواق، حيث تنخفض المؤشرات بشكل سريع لمجرد خبر، ثم ترتد بسرعة لوجود خبر آخر، وإن كانت هذه الأخبار والتصريحات لا يفترض أن تؤثر بهذا الحجم، ولذلك ورغم وجود مؤشرات جيدة على الأقل في بعض القطاعات في السوق السعودية نجد هذا التذبذب الكبير غير المبرر في الأسعار، وهذا يعكس ظاهرة أصبحت سمة للأسواق العالمية والسوق في المملكة، وهي أن المضاربة في السوق المالية أصبحت تؤثر - مع الأسف - في استقرار السوق، وتجعل من المستثمر الفرد ينتابه نوع من القلق عند الاستثمار في السوق المالية في المملكة.
يبقى أن هناك قضية مهمة، وهي أن عدم تأثر المملكة بالأزمة الأوروبية بشكل مباشر لا يعني ذلك ألا تكون هناك احتمالات قد تطرأ، وكما نعلم أن جزءا من الخطط الحكومية تستهدف استقطاب الاستثمار الأجنبي بهدف تعزيز مركز المملكة الاقتصادي والتقني وتوفير فرص عمل مناسبة لأفراد المجتمع، وهذا البرنامج سيتأثر بوجود أزمة للشركات التي تنوي الاستثمار في المملكة، لذلك لا بد من وضع سيناريوهات محتملة مستقبلا ووضع خطط لمواجهة أي احتمال لتأثر المملكة بالأزمة.
الخلاصة أنه وإن كانت المملكة اليوم تشهد نوعا من الاستقرار الاقتصادي وتأثرا محدودا بالأزمة المالية في أوروبا، إلا أنه من المهم أن يتم وضع سيناريوهات محتملة مستقبلا، ووضع خطط لمواجهة أثر تلك السيناريوهات، حيث إن المملكة اليوم أصبحت أكثر انفتاحا من ذي قبل على الاقتصاد العالمي.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي