رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


القبول في الجامعات وضرورة إعادة هيكلة الاقتصاد

ها هي مشكلة القبول في الجامعات تطل علينا في موعدها من كل عام. المشكلة التي تؤرق الجامعات تتفاقم عاما بعد عام، خاصة في التخصصات الطبية والهندسية والإدارية، والعجيب في الأمر أنه يتم التعامل معها في كل عام وكأنما تحدث لأول مرة، فالجامعات تعلن حالة الطوارئ وتستنفر كل طاقتها في محاولة لاستعياب أكبر عدد من خريجي وخريجات الثانوية العامة، وعلى الرغم من الجهود المبذولة والنوايا الصادقة، إلا أن الجامعات لا تستطيع مهما أوتيت من موارد أن تتحمل وحدها مسؤولية قبول معظم خريجي وخريجات الثانوية العامة وما ينبغي لها، لذا يجب أن ينظر إلى قضية القبول من منظور أوسع وأشمل يتعدى الاهتمام بجانب العرض، أي عدد المقاعد المتاحة، إلى التركيز على جانب الطلب بتقليل عدد الراغبين في الدراسة الجامعية. القصد هنا إيجاد بدائل جذابة للشباب والشابات بديلا للتعليم الجامعي. فهناك ثقافة متجذرة في المجتمع أن التعليم الجامعي هو للجميع، وأنه السبيل الوحيد للحصول على وظيفة، بل إنه في كثير من الأحيان يعتبر متطلبا اجتماعيا أكثر منه متطلبا مهنيا. فالأبناء والبنات يُربون على الجد والاجتهاد في التعليم العام من أجل دخول الجامعة والتخصص في المجال المرغوب، ثم الحصول على الشهادة وبعدها ينطلق في البحث عن وظيفة. هذا هو الوضع المثالي والوحيد الذي ينشده الآباء والأمهات لأبنائهم وبناتهم. يعود هذا النمط في التفكير لدى معظم أفراد المجتمع لأسباب عدة، أهمها الطفرة الاقتصادية في كنف الاقتصاد الريعي الذي أحدث توسعا كبيرا في القطاع الحكومي، نتيجة التوسع في المشاريع والخدمات العامة، وأصبح يجتذب الكثيرين كونه يمنحهم الدخل والمكانة والسلطة والأمان الوظيفي، إضافة إلى غياب ضغوط العمل. سبب آخر على درجة كبيرة من التأثير والأهمية هو في عدم تشجيع الشباب للعمل في المجال المهني، فالرواتب العالية والمكاتب الفاخرة والمريحة تمنح للعاملين في الوظائف الإدارية، ويحرم منها أصحاب التخصصات المهنية. وحقيقة الأمر أن الهيكل الاقتصادي الوطني ليس فقط يفتقر إلى الموازنة بين التعليم الجامعي والمهني، إنما يحصر فرص الشباب في البحث عن وظيفة بدلاً من تشجيعهم على السعي نحو إنشاء مشروع ريادي، ففتح الباب على مصراعيه للعمالة الأجنبية قلص فرص نجاح المشاريع الصغيرة، وعلى وجه الخصوص المشاريع الريادية. العوائد السهلة للمشاريع التي تقدمها العمالة المتسترة قضت على روح المبادرة والجسارة لدى الشباب في خوض غمار مشاريع غير تقليدية والاعتماد على النفس في إدارتها. وعلى صعيد المشاريع المتوسطة والكبيرة نجد أن معظم الصناعات هشة لا تضيف إلى الاقتصاد الوطني. على سبيل المثال النسبة الغالبة للمصانع هي تجميع لمنتجات استهلاكية تتطلب عمالة غير ماهرة بدخول منخفضة، وتعتمد على استيراد المواد الأولية. هذه الأوضاع مجتمعة تلقي بظلالها على أسلوب ومناهج التعليم لتستهدف إعداد الطالب بطريقة تقليدية للحصول على وظيفة وليس للعمل الحر. والمقصود بطريقة تقليدية التركيز في العملية التعليمية على زيادة المعلومات لدى الطالب ليكون جل همه وغاية مقصده تحقيق أعلى الدرجات، وليس تحصيل المعرفة والتفكير بطريقة إبداعية وتوظيف المعلومات لفهم الواقع وتطويره واستكشاف الأشياء وحل المشكلات وفهم المتغيرات.
كل ذلك يؤكد أن قضية القبول وتزايد عدد الخريجين أوسع وأشمل وأعمق من أن تختزل في النواحي الأكاديمية والفنية فقط، إنما يجب أخذ الهيكل الاقتصادي ووسائل إعادة توزيع الدخل في الحسبان. على سبيل المثال، هناك إنفاق حكومي سخي، لكن استفادة المواطنين غير متساوية وضئيلة. هذا إضافة إلى الخسارة الكبيرة المترتبة من التحويلات النقدية للعمالة الأجنبية التي تم استقدامها كأيد عاملة رخيصة في إنتاج سلع وخدمات ذات قيمة متدنية، وكأنما تلك المصانع أنشئت لاستيعابهم وإيجاد حلول للبطالة في تلك البلدان التي ينتمون إليها. المطلوب إنشاء شركات حكومية للقيام بالمشروعات التنموية تكون على غرار شركة سابك، فهذا هو السبيل الوحيد في توفير وظائف ذات دخول تناسب المستوى المعيشي للمواطن السعودي ومؤهله الجامعي، وهي في الوقت نفسه تجتذب الشباب نحو الأعمال المهنية وتدفعهم نحو تطوير مهاراتهم ومعارفهم ليكونوا قادرين على الإبداع والابتكار والتميز. لا يمكن الاستمرار في النظر للقضايا الوطنية مجزأة، بل يلزم أن تكون هناك نظرة مشتركة من خلال منظومة متكاملة تربط وتنسق بين مؤسسات التعليم العالي والأجهزة التنموية الأخرى. فمن العيب أن نتصور أن الشباب الجامعي المؤهل عبء على المجتمع ومشكلة يجب التخلص منها، بينما تتمنى كثير من الدول أن تكون لديها هذه النسبة العالية من الشباب، إذ إنهم العنصر الأساس في عملية الإنتاج فكرا وعملا. التنمية لا تقوم إلا على سواعد الشباب فهم المحرك لها وهم من يصنع الفرق، فضلا عن أنهم ينتجون أكثر مما يستهلكون. إذاً العبرة بمواءمة سوق العمل لمخرجات التعليم العالي، وليس العكس كما يتردد على لسان بعض رجال الأعمال كحجة واهية للتهرب من توظيف المواطنين. ومع هذا لا بد أن تكون الجامعات منظمات متعلمة وأكثر قدرة على الاستجابة للمتغيرات في البيئة، ولتحقيق ذلك لا بد من تحويل الجامعات إلى مؤسسات غير ربحية بحيث يكون هناك مجلس أمناء أعضاؤه يمثلون قطاعات مختلفة، ما يتيح الفرصة لتشكيل البرامج والأنشطة البحثية حسب متطلبات الواقع العملي. بهذه النظرة الشمولية التي تجمع بين إعادة هيكلة الاقتصاد بالتركيز على التقنية والوظائف ذات الدخول العالية والأجهزة الحكومية التنموية وتحسين آلية إعادة توزيع الدخل بإنشاء شركات حكومية وتطوير أداء الجامعات وزيادة كفاءة صناعة القرار فيها، يتم استيعاب فكرة قبول وتخريج الطلاب والطالبات وربطها بخطط استراتيجية توفق بين المدخلات والمخرجات. القبول أكثر من إيجاد مكان في قاعات الدراسة، وبالتالي يجب ألا نلقي باللائمة على الجامعات، بل يشترك في ذلك جميع الجهات الحكومية ذات العلاقة، وعلى رأسها وزارة الاقتصاد والتخطيط.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي