هيئة مكافحة الفساد.. الأهم فالمهم

تابع الجميع تحركات رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وزياراته مختلف وزارات الدولة. تهدف هذه الزيارات إلى تكوين علاقة تعاون ومحاولة جذب المسؤولين لتقبل فكرة عمل الهيئة ودعمها. ناقش مسؤولو الهيئة في اللقاءات أموراً مهمة، لكن التحضير لهذه اللقاءات كان أقل من المتوقع، فنوقشت قضايا جانبية ولم يتم التطرق إلى القضايا الشائكة، فمناقشة خطأ طبي هنا أو حرمان طالب من الالتحاق بمدرسة أو جامعة هناك، أمور قد تُدخِل الهيئة في شباك القضايا الجانبية التي لا تنتهي.
تمنيت لو أننا وصلنا هذه المرحلة فعلاً، كون هيئة مكافحة الفساد تناقش قضية محدودة وبسيطة مثل هذه يدل على أن جميع المشكلات الكبرى تم حلها. هذا ما تتوقعه عزيزي القارئ، وأقول لك خطأ! الهيئة لا تزال في مرحلة مبكرة جداً ولم تحقق من أهدافها الشيء الذي يستحق الذكر.
قضية هنا وقبض هناك وأرقام تواصل وإعلانات في الصحف، بدايات لكنها لا تتعدى ذلك. قد تكون هناك أمور لا نعلمها مع أن مكافحة الفساد تستدعي الشفافية بالضرورة، لكن الواقع يقول إنه ليس هناك تقدم حقيقي أو إنجاز يمكن الإشارة إليه.
كتب الكثير - وأنا منهم - عن الهيئة وأولوياتها وما يريده المواطن منها. أعلم أن هناك ضغطا إعلاميا وشعبيا على الهيئة وأنها تحاول بكل الوسائل أن تحقق إنجازات تمكنها من كسب الثقة والاستمرار في تحقيق الإنجازات، لكن هناك أمورا يجب أن تؤخذ في الاعتبار.
إمكانات الهيئة من الناحية البشرية والتقنية والقانونية لا تزال أقل من أن تحيط بالمهام الكبرى المتوقعة منها. هناك حاجة ماسة إلى وجود عدد كافٍ من الموظفين المؤهلين والاستشاريين والقانونيين والانتشار الذي يسمح للهيئة بالتعامل مع مختلف القضايا في دولة تتجاوز ميزانيتها التريليون وتتجاوز قيمة مشاريعها الحالية والمستقبلية الثلاثة تريليونات. دولة يعمل فيها ما يزيد على مليوني موظف عام. وتبلغ مساحتها أكثر من مليونين وربع المليون كيلومتر مربع.
حجم الأعمال المطلوبة من الهيئة في مجالات مكافحة الفساد الإداري والمالي والأخلاقي كبيرة لدرجة تستدعي وضع ضوابط واشتراطات وتقنيات تساعد على التوعية والمراقبة والإبلاغ عن الانحرافات في مختلف الأنشطة التي تراقبها الهيئة.
يستدعي نجاح الهيئة في تنفيذ أعمالها سن قوانين شفافة في مجال الملاءة المالية للمسؤولين، ومنعهم من تعيين أقاربهم في الجهات التي يرأسونها. قبل أيام رأيت تصريحاً لنائب مسؤول كبير من عائلة المسؤول نفسه. الوظيفة العامة حق للدولة، وليس من حق أي كان أن يحجرها على نفسه وأقاربه، فكيف بوضعهم في مراكز تنفيذية؟! هذه من أكبر الإشكاليات، وهي سبب وقوع الكثير من التجاوزات والتغاضي عنها من قبل المسؤولين في مختلف القطاعات. ولعل هذا واضح للجميع، وقد تستطيع الهيئة أن تبدأ من هنا.
يستدعي نجاح عمل الهيئة توفير المعلومات ومتابعة التطورات والإبلاغ عن التجاوزات. يمكن - في هذا الإطار - أن تسهم التعاملات الإلكترونية في تسهيل وصول الهيئة لقواعد بيانات الموارد البشرية والميزانيات والمشاريع وحركة الصرف على البنود المختلفة، وهو أمر لم يتم تحقيق تقدم كبير فيه، بل إن بعض الجهات قد تعمل على إعاقة عمل الهيئة.
تحتاج الهيئة في الواقع إلى قاعدة بيانات رئيسة تحتوي كل المعلومات الإحصائية المتوافرة، وترتبط بكل الشبكات والبوابات الإلكترونية لجميع قطاعات الدولة. هذه التقنيات يجب أن تدعمها برامج ذكية تمكن الهيئة من كشف المخالفات عن طريق تحليل البيانات الواردة من مختلف الجهات. يجب أن تكون الهيئة أول المطالبين باعتماد التعاملات الإلكترونية، وأن تكوِّن فريقاً داخلياً يعمل على متابعة وتسهيل إدخال التعاملات الإلكترونية في أنشطة الدولة كافة.
جسامة المهام التي تقع على عاتق هذه الهيئة، وعدم توافر الإمكانات المطلوبة، والحاجة إلى تعاون جميع الجهات، إضافة إلى حجم الجهود والمعلومات المطلوبة لتنفيذ العمل، تحديات لا بد أن يتعامل معها كادر الهيئة المتحمس، لكن أن تناقش عقودا لا تتجاوز قيمتها 100 ألف ريال وتترك عقودا بالمليارات فذاك لعمري أمر قد يحولهم إلى مطاردة الفساد في مقاصف المدارس.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي