الإدارة في منظور السياق التاريخي
الحكم على بعض الظواهر أو الأحداث أو المؤسسات، والجهات الحكومية قد لا يكون دقيقاً ولا صائباً في بعض الأحيان، حيث يتم الحكم على ما يراه الفرد في الظاهر، لكنه قد يغفل، إما عمداً وإما عن غير قصد، متغيرات وعوامل أخرى ذات قيمة وأهمية في الحكم على الظاهرة أو الجهاز الحكومي أو الشركة.
عوامل داخلية كثيرة، إما بشرية أو تنظيمية أو مادية توجد في هذا الجهاز الحكومي أو وراء هذه الظاهرة، ولا بد من التعامل معها ولو لفترة من الوقت، حتى يمكن رصدها ووصفها بالشكل المناسب، أو ربما سيكون الحكم غير صائب وغير موضوعي.
في بعض الدوائر أو الشركات توجد معوقات كثيرة تمانع وتقف في وجه التغيرات التي قد تطرأ ولا تتقبل إحداث تغيرات في الجهاز الذي تعمل فيه لأنها تتوجس من هذه التغيرات، وتشعر أن مصالحها أو مكانتها مهددة بسبب هذه التغيرات، وهذا يحدث في كثير من الحالات، حيث يواجه مدير أو وزير جديد تحديات من هذا النوع، فما قد يقترحه من إجراءات لتحسين العمل وتسهيله، أو ربما يسهم في زيادة الإنتاجية والقضاء على البيروقراطية يصطدم بأفراد سبقوه في العمل في هذا المكان، ولمجرد تعيينه تبدأ تحركاتهم لمقاومة هذا الوافد الجديد والوقوف في وجهه، لأن هذه الكوادر تسعى جاهدة للمحافظة على مصالحها، أو ربما لأنها غير راغبة أو غير مؤهلة لقبول التغيير والأخذ به.
السياق التاريخي الذي تمر به الجهات يمثل أحد العناصر المهمة التي يلزم أخذها في الاعتبار عند الحكم على الجهاز وفاعليته، أو على المشكلات التي قد توجد فيه. السياق التاريخي يمثل التراكمات الإيجابية والسلبية التي توجد في أي إدارة أو جهاز، فالسنوات والعقود التي مرت على الجهات تشكل واقعاً يكون من الصعب تغييره بالسرعة المطلوبة، لأن أنظمة وجدت وعقولاً تشكلت وفق طريقة عمل ما، إضافة إلى نسيج من العلاقات التي بنيت بين أفراد الجهاز حتى أصبحوا كالكتلة الواحدة، لذا تتم محاربة الجديد بأساليب وطرق اعتادها أفراد المجموعة، ويمكنهم تمريرها بصورة تظهرها كما لو أنها نظامية، وتخدم مصلحة الجهاز رغم أنها في حقيقة الأمر تؤدي إلى إجهاض التغيير ومحاربة التجديد وإفشاله وإحراج المسؤول الذي يتبناه، وإظهار فشله وعدم قدرته الإدارية.
السياق التاريخي له فعله المؤثر، وهذا ما نلاحظ بوادره في الدول التي حدث فيها التغيير، حيث إن مرور عقود على إدارة هذه الأوطان من قبل فريق واحد تربط بين أفراده مصالح مشتركة ومتشابكة في الوقت نفسه جعلت من واقع هذه الدول في الوقت الراهن مضطرباً، وفيه الكثير من التحديات الأمنية والاقتصادية والسياسية، لأنه من المؤكد أن داخل أجهزة الدولة الكثيرة أفراد شعروا بتهديد مصالحهم، بل ربما مكانتهم الاجتماعية التي عاشوها خلال تلك الفترة، لذا تحركوا في وجه هذه التغيرات، وشنوا حرباً شعواء عليها. وبدؤوا يعملون حيلهم وألاعيبهم لإظهار الحكام الجدد فاشلين وغير قادرين على تلبية احتياجات الناس وتطلعاتهم، وإشعار الناس بأن التغيير لم يكن في صالحهم، وهذا في حد ذاته خلق إحساس الحنين إلى الفترة الماضية بكل سلبياتها ومشكلاتها.
السياق التاريخي سواء على مستوى إدارة حكومية أو خاصة، أو على مستوى البلد بكامله يشكل منظومة متكاملة فيها فلسفة عمل وأنظمة وقوانين، وفيها خبرات من نوع معين سواء كانت خبرات إيجابية أو سلبية، لذا ليس من السهولة بمكان تغيير هذه المنظومة والتخلص من آثارها.
إن عدم إدراك أهمية وقيمة السياق التاريخي في الحكم على الظواهر أو الجهات التي يلزم تقييمها يوقع الكثير في أخطاء جسيمة في حق جهة أو مسؤول ليس له دور في التركة الفاسدة التي تخيم على هذه الإدارة أو في بلد من البلدان، لأنه وصل إلى المكان أو لسدة الحكم، والوضع بهذه الصورة أو على هذه الشاكلة.
السياق التاريخي يمثل تراكمات لا حدود لها من الأوضاع المتشابكة والمصالح المتضاربة، لذا فهو إما أن يكون معيناً للمسؤول على التقدم والسير بالجهاز إلى الأمام، وإما أن يكون معيقاً وحائلاً دون تحقيق أي إنجاز.