مشروعنا الاقتصادي الأكبر بدون إدارة
قال الدكتور أحمد صلاح، وكيل وزارة الاقتصاد والتخطيط للشؤون الاقتصادية يوم الأربعاء الماضي: ''إن مشكلة الاقتصاد السعودي ليست في الإنفاق أو الطموح أو التوجيهات أو الخطط، بل في التنفيذ''. المصدر ''الاقتصادية'' - عدد الخميس 10 مايو 2012.
السؤال التالي: لماذا تعاني خطط التنمية مشكلة التنفيذ، رغم توافر الإنفاق؟
الأسباب كثيرة، وعلى رأسها، في نظري، أن التخطيط التنموي مشروع بدون إدارة.
نحن نعرف أن كل مشروع في حاجة إلى إدارة، أو ما يسمى إدارة المشروع. وهذه الإدارة ينبغي أن تكون متفرغة وتتولى الإشراف الكامل والتام على إنجاز المشروع. ولها كل الصلاحيات التي تمكنها من القيام بعملها. وهذه الصلاحيات تعني أن لها سلطة فوق سلطة الجهات التي تقوم بتنفيذ المشروع. والمقام ليس مقام إعطاء مزيد توضيح عن طبيعة هذه الإدارة وتفاصيلها.
خطط التنمية، وبغض النظر عما عليها من ملاحظات ووجهات نظر، هي في الحقيقة مشروع، بل هي مشروعنا الأكبر: مشروع التنمية الاقتصادية. مشروع طويل الأمد.
هل نستطيع القول إن لدينا إدارة لهذا المشروع، بالمعنى الموضح آنفا لإدارة المشروع؟ الجواب لا.
نظريا، المجلس الاقتصادي الأعلى هو أقرب جهة لتولي هذه المهمة، لكنه عمليا لا يصلح. أعضاء المجلس الاقتصادي الأعلى مشغولون بمناصب وأعمال وارتباطات كثيرة، ومن ثم كيف نتوقع من المجلس بنفسه إدارة المشروع؟
أمانة المجلس؟ لا تنطبق عليها متطلبات إدارة المشروع.
وزارة الاقتصاد والتخطيط؟ لا تنطبق عليها أيضا متطلبات إدارة المشروع، لأنها وزارة كغيرها من الوزارات، أي أنها تفتقر إلى القدرات والصلاحيات المطلوبة لمدير أي مشروع.
وخلاف الصلاحيات، يعاني الاثنان: أمانة المجلس والوزارة وبصفة عامة، قدرات إشرافية وفنية دون المؤمل. وللحق فإن ضعف الأداء والقدرات ليس مقصورا عليهما، بل تشاركها في ذلك وبصفة عامة الأجهزة الحكومية الأخرى. هناك مشاكل في الالتزام باستراتيجيات ومسار خطط التنمية، وتنفيذها. يضاف إلى ذلك مشكلة ضعف التنسيق بين وزارتي الاقتصاد والمالية. لا أمانة المجلس ولا وزارة الاقتصاد تملكان سلطة فوق وزارة المالية.
المجلس الأعلى في حاجة إلى جهاز تنفيذي يتولى إدارة المشروع، بما تعنيه هذه الإدارة من صلاحيات وعمل. أي أنه ينبغي أن يترأس هذا الجهاز رئيس يتمتع بصلاحيات وسلطات فوق الوزارات الممثلة في المجلس.
ومقارنة بتجارب دول أخرى ذات اقتصادات ناحجة، أضرب المثل بكوريا الجنوبية والهند وسنغافورة. تلك الدول لديها هيئة تنفيذية عليا للاقتصاد أو التنمية الاقتصادية، عليها مسؤول متفرغ رتبته أعلى من وزير.
هذا الجهاز التنفيذي يجب أن يبنى بناء قويا يعتمد عليه في المراجعة والتنسيق ومراقبة ومتابعة التنفيذ لكل ما يقع ضمن اختصاصات المجلس الأعلى.
وهذا يعني أنه يجب أن يختار لهذا الجهاز موارد بشرية عالية الكفاءة. وفي هذا المقام ينبغي طلب المساعدة من الجهات المتخصصة داخليا وخارجيا في وضع المواصفات ومعايير الاختيار والهيكلة وأسلوب العمل ومتابعة الأداء…إلخ، لأجل تلافي العيوب القائمة التي سبق الحديث عنها مثل ضعف الأداء والصلاحيات والقدرات الإشرافية والفنية للأجهزة القائمة.
تنظيم هذا الجهاز يتداخل قطعا مع أعمال وزارة الاقتصاد والتخطيط، وهذه قضية لا بد أن تعالج، منعا للازدواجية وتداخل الصلاحيات وتضخيم الجهاز الحكومي.
وينبغي تطوير لجنتي التحضير والتخصيص التابعتين للمجلس الأعلى إلى مجلس تنفيذي برئاسة رئيس الجهاز التنفيذي. أما الأعضاء فيمثلون:
- الجهات الحكومية الممثلة في المجلس الاقتصادي الأعلى.
- كل مناطق المملكة للتأكيد على إصلاح خلل توازن توزيع الجهود بين المناطق.
- القطاع الخاص نظرا لأن زيادة مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد قضية استراتيجية.
من المهم جدا أن يكون أعضاء المجلس التنفيذي متفرغين، أما تكوين مجلس أو لجنة غير متفرغة تمثل فيها مختلف الجهات المعنية بالطريقة المعتادة التقليدية في تكوين اللجان فلا يتوقع له النجاح. ذلك لأن هناك أعمالا كثيرة وعريضة، تتطلب اتصالا مستمرا بين المجلس والجهات الأخرى ذات النشاط الاقتصادي، لمناقشة وتبادل الرأي، ومتابعة ومراقبة التنفيذ بدرجة قوية، تتبعها عمليات تقويم. وكل هذه الأعمال لا بد لها من كفاءات يعتمد عليها في الأداء.
باختصار، مرت بنا ثماني خطط تنموية خمسية، ودخلنا في التاسعة. هذه الخطط هي في الحقيقة مشروع تنمية اقتصادية. وهناك قناعة بأننا ما زلنا نعاني مشكلات جوهرية في ذلك المشروع. وأرى أن أهم سبب افتقار المشروع إلى إدارة. ومن ثم فمطلوب وجود إدارة قادرة على إدارة مشروع التنمية.