رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


نصيحة الملك للإعلاميين: قولوا خيرا أو اصمتوا!

أزعم أن الإعلام كان له دور سلبي خلال الأزمة التي سادت العلاقات بين المملكة ومصر خلال الفترة الماضية. يشاركني هذا الرأي الكثير ممن راقب البرامج الحوارية والإخبارية التي كانت تؤزم الموقف وتعمل على تأليب الرأي العام واستثارة الجمهور. الغريب في هذا كله هو أن الإعلاميين كانوا يهدفون إلى إرضاء الشارع، من خلال طرح يحاول أن يتسابق مع المنافسين لكسب الجماهير.. معادلة صعبة فعلاً.
يوجه الإعلام في مفهومه المهني الرأي العام من خلال إيضاح الحقائق والبحث عن كل خلفيات الخبر أو الحالة التي يتعامل معها. هذا لم يحدث أبدًا، إنما حدث العكس، فالإعلاميون كانوا يبحثون عن مكان لهم يضمنون من خلاله أن يكونوا أقرب للمواطنين ومشاعرهم وعواطفهم وليس أمام المتلقين كما يجب أن يحدث.
هذه الحالة لها أسباب كثيرة، من أهمها كون الإعلاميين حديثي عهد بالحرية الواسعة والديمقراطية الإعلامية، حالة تتميز بانعدام التوازن، فالكثير من الإعلاميين الذين انجرفوا وراء محاولة تضخيم الأحداث، كانوا في السابق ممن بنوا حياتهم المهنية على إرضاء النظام السابق. الخوف من ردة الفعل جعلتهم يحاولون أن يرضوا الجمهور، حتى إن كان على حساب كل قناعاتهم واستنتاجاتهم المبنية على الحقائق. قد يتذكر القارئ حالة الإعلامي الذي رفض أن يقرأ خبر اعتذار المجلس العسكري للمملكة باعتباره إهانة.
تحدث حالات كهذه في دول أخرى، فيتعامل معها الإعلام بطريقة مختلفة، يقوم الإعلاميون بالبحث في الأسباب، يخترقون الحشود ويتعرفون على من يحركهم، يذهبون إلى كل الجهات ذات العلاقة بالأزمة للتعرف على الملابسات والخلفيات التي تسببت في الأزمة، يبحثون في الملفات السرية ويربطون الأحداث ببعضها.
فَقَدَ الإعلام في كلتا الدولتين قدرًا كبيرًا من مهنيته في أثناء تناول الأزمة. فات الإعلاميون أن هناك قواعد كبرى لا يمكن تجاوزها من قبل أي شخص يتعامل مع الدولتين الأكبر في العالم العربي. ظلوا يدورون في حلقات مفرغة بعيدين عن التقصي والعمل الصحافي المهني. اقتصرت التغطيات على تصوير المتظاهرين وآثار سلوكياتهم، وكأن مهمة الإعلام التوثيق وليس الإيضاح والتحليل، لم أشاهد أي تحقيق أو تقرير عن أمور مثل:
- العلاقة المشبوهة بين منظمي أعمال الشغب والمخططات الإيرانية ضد المسؤولين في البلدين، ومحاولة استغلال الصورة لتحقيق أهداف صفوية.
- المبالغ المالية التي دفعت للمتجمهرين ودفعهم نحو الاعتداء على مبنى السفارة.
- العلاقة بين العلم الأسود وأعمال الشغب وأمور أخرى قد تكون طَيَّ الكتمان لعدم اهتمام الإعلام بالكشف عنها.
كلمة الملك عبد الله تحمل معاني كثيرة، فالإعلام المندفع أحدث في الواقع شرخًا جعل المواطنين يتبادلون التهم والسباب. هذا الإعلام كان ينظر بنظرة أحادية، ويحاول أن يبرر الخطأ، ما أدى إلى تفاقم الأخطاء وكثرة التجاوزات والإهانات التي أساءت أول ما أساءت إلى صدقية الإعلام والإعلاميين أنفسهم، وهو ما حوَّلهم إلى ما يمكن أن نسميه ''البلطجة الإعلامية'' بالمصطلحات المصرية.
الغريب أن الكثير من البرامج- بعد أن فقدت المادة الإعلامية بإغلاق السفارة– بدأت في معركة شد وجذب داخلية فيما بينها. أصبح معدو البرامج يشغلون أنفسهم بالرد على البرامج الأخرى. تحول العمل الإعلامي إلى محاولات ''فضائحية'' وحرب قنوات مؤسفة تتسابق لكشف خطأ أو تعرية خصم إعلامي لم يكن خصمًا في الأساس. لم يعلم الكثير من هؤلاء أنهم يثيرون الضغائن والكراهية بين أقرب شعبين في المنطقة.
حاول كل الإعلاميين المدانين في حفلة (الردح) الإعلامي أن يتكسبوا من الأزمة، وبدأت تظهر معلومات غير صحيحة وتلفيق وكذب عجيب غريب عن حقوق العمالة ونسب الاستثمار والدعم المالي، شاهدت في أحد البرامج إعلاميًّا يتحدث عن حقوق العمالة المصرية في السعودية، وقبل أن تنتهي الحلقة طالب هذا الشخص بزيادة أعداد التأشيرات الممنوحة للمصريين للعمل في السعودية.
يجب أن نتعلم جميعًا من هذه الأزمة إعلامًا ومتلقين. الإعلام يجب أن يبحث ويفهم ويحلل ويحافظ على مهنيته ومصداقيته، فالأزمة لم تكن بسبب القبض على شخص هنا أو هناك، إنما هي نتيجة تراكمات وأخطاء وتجاوزات جعلت الحكومة في المملكة تخشى أن يتطور الوضع بناء على معطيات ما حدث في التحرير وماسبيرو ووزارة الداخلية ومجلس الوزراء وأخيرًا في العباسية. أي أن المملكة بحماية منسوبي السفارة ومراجعيها تمكنت من حل أزمة أكبر قد تحدث نتيجة التأزيم الذي يفتعله أشخاص في الشارع وعلى قنوات التلفزيون وعلى صفحات الجرائد.
يجب أن يُحَكِّم المتلقي منطقه وعقله في التفاعل مع وسائل الإعلام. لا بد أن نعلم أن هذه الثورات أفرزت إشكالات أخلاقية وسلوكية ومهنية، كما أفرزت توازنات جديدة في المنطقة تغذيها أطراف خارجية تحاول أن تحصل على دور أكبر في رسم المستقبل لشعوبها، ومن أهم وسائلها في تحقيق أهدافها الإعلام.
يعاني الإعلامي العربي اليوم حالة من عدم التوازن، تجعله يظهر بمظهر غير واقعه، ولمن أراد أن يتأكد فليراجع ما كان يقوله الإعلام قبل سنة ونصف السنة من اليوم ليعرف الكم الهائل من الاختلاف. تثبت البرامج الحوارية اليوم أن هناك اختلافًا هائلاً بين ما يقوله الإعلام في وقت معين وما يصرح به في وقت آخر، كل هذا اعتمادًا على الأحداث في الشارع. لكن القاعدة الذهبية التي لا بد أن توضع على لافتة كبيرة في مدخل كل صرح إعلامي هي: ''قل خيرًا أو اصمت''.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي