القروض الاستهلاكية بين الحاجة والترف
بناء على التقارير الصادرة عن مؤسسة النقد، التي تشير إلى زيادة في حجم القروض الاستهلاكية لتصل إلى 242.2 مليار ريال، وكما جاء في تقرير صحيفة ''الاقتصادية'' أن القروض الاستهلاكية زادت بنسبة 22 في المائة مقارنة بالعام الماضي الذي بلغ فيه حجم القروض 198.8 مليار ريال، وهذه زيادة ملحوظة على العام الماضي.
الحقيقة أن القروض الاستهلاكية بشكل عام لا تعتبر سلوكا إيجابيا وإن كانت مؤشرا على وجود نشاط تجاري ونوع من الملاءة لدى بعض الأفراد، خصوصا أن البنوك غالبا تقرض ذوي الملاءة المالية، الذين لديهم إمكانية للسداد، لكن بشكل عام الديون تشكل عبئا، وإذا كانت متوجهة إلى السلع الاستهلاكية فإنها تقتص من دخل الفرد في المستقبل في مقابل أنه يحصل على سلع تتهالك.
من المؤشرات الجيدة في التقرير انخفاض حجم قروض البطاقات الائتمانية، وهذا جيد من جهة أن قروض البطاقات الائتمانية في الغالب تصب في السلع التي تتهالك، ولا تستخدم في السلع المعمرة، ولا في شراء المنازل بشكل مؤكد، كما أن تكلفتها عالية في التأخر في السداد. وفي الوقت نفسه فإن من المظاهر الإيجابية للتمويل الاستهلاكي أن يكون في شراء المنازل، فإذا كانت الزيادة في حجم التمويل الاستهلاكي كان بسبب قطاع الإقبال على تمويل شراء المساكن، فإن هذا إيجابي لما له من أثر في حل أزمة السكن في المجتمع، وقد تكون جزءا من أسباب زيادة حجم القروض الاستهلاكية الزيادة في أسعار السلع، خصوصا أسعار العقار، ما يعني أن الزيادة لا ترجع إلى زيادة في بيع الوحدات السكنية، بل قد تكون بسبب الزيادة في أسعار الوحدة السكنية، التي تؤدي بالتالي إلى الزيادة في حجم القرض.
لكن بشكل عام كما سبق أن القروض الاستهلاكية ليست ظاهرة إيجابية في المجتمع، خصوصا إذا كانت بطريقة غير مرشدة، ودون حسابات لمتطلبات الفرد في المستقبل. وبناء عليه فإن للمبالغة في القروض الاستهلاكية مجموعة من الآثار السلبية منها: أن المبالغة في الاقتراض قد تكلف الشخص عبئا يستمر معه إلى مدة طويلة، ويقتص جزءا من دخله في المستقبل في ظل زيادة الاحتياجات على مستوى الفرد والأسرة، ما يقلل فرص الفرد في الادخار، فضلاً عن الاستثمار، وهذا قد يؤثر في خططه المستقبلية في توفير حياة أفضل لأبنائه على مستوى التعليم والاحتياجات العامة، وقد يدخل في حالة من الحاجة المستمرة التي لا تساعده على إدارة شؤونه المالية بشكل فيه نوع من السعة والترف.
منها أيضا أن المبالغة في القروض الاستهلاكية والإقبال على السلع من خلال الاقتراض، ستجعل في السوق سيولة زائدة على الوضع الذي ينبغي أن تكون عليه، وبالتالي سيزيد الطلب على السلع ومن ثم ارتفاع أسعارها، وهذا يضر بعامة المجتمع، خصوصا إذا كان الشراء بغرض المزيد من الترف وليس الحصول على الاحتياج الحقيقي للفرد.
إن المبالغة في الاستهلاك من خلال الاستدانة تضعف من قدرة الفرد على الإدارة الجيدة لدخله، حيث إنه يعتاد الإنفاق أكثر من دخله، وهذه صفة سلبية تجعل حالة الاستدانة لدى الفرد مستمرة.
ما سبق يدعو إلى النظر في حجم الزيادة في حجم القروض الاستهلاكية هل هو وضع ضمن الحد الطبيعي أم لا، وبالتالي ينبغي أن تكون هناك برامج لترشيد السلوك الاستهلاكي لدى أفراد المجتمع، خصوصا في مسألة القروض الاستهلاكية التي تمثل عبئا على الأفراد، إذ إن استمرار هذه الزيادة الملحوظة في حجم القروض الاستهلاكية بشكل سنوي قد تكون له آثار سلبية ومشكلة في المجتمع، ولدينا تجربة قريبة في أزمة الأسهم السابقة. ولذلك فإنه من المهم توعية المجتمع بالآثار السلبية للمبالغة في الإقبال على القروض الاستهلاكية، خصوصا أنه في هذه الفترة ومع النشاط في سوق الأسهم، فإنه يُخشى أن تكون هناك مبالغة في الاقتراض الذي يصب في سوق الأسهم، ويعرض الفرد لمخاطر عالية، خصوصا أن بعض أدوات التمويل التي تقدمها البنوك حاليا هي من خلال التمويل بشراء الأسهم.
الخلاصة أن مسألة الزيادة في حجم القروض الاستهلاكية بهذا الشكل الملحوظ ينبغي أن تكون محل عناية الجهات ذات العلاقة، لكيلا تقع في المستقبل عواقب غير محمودة للأفراد، ومن المهم أن يكون هناك خطط للترشيد في السلوك المناسب للاستهلاك، وأن يكون ذلك ضمن برامج توعوية تستهدف النشء وجيل الشباب الذي يمثل الجزء الأكبر من التركيبة السكانية في المملكة.