رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


نعم يا مؤسسة التأمينات الاجتماعية (1500 ريال) هي الحقيقة

أوردت ''الاقتصادية'' في عددها رقم (6777) تصريحا للمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية وردت فيه أرقام تعتبر مرعبة في نظري الشخصي، لكن الذي أثارني أكثر، بل أرعبني هي وجهة نظر المؤسسة وتعليقها على هذه الأرقام. سأبدأ بالأرقام ولماذا أرعبتني. ورد في تصريح مساعد محافظ المؤسسة لشؤون التأمين أن عدد السعوديين المسجلين في القطاع الخاص 973280، وأن 58 في المائة منهم (أي 564 ألف سعودي تقريبا) لا تتجاوز رواتبهم ثلاثة آلاف ريال، أي أن دخلهم السنوي لم يصل حتى 36 ألف ريال، لكن هذه المعلومة تزيد مرارة إذا عرفنا أن من بينهم 321 ألفا يعيشون عند مستوى أقل من خط الفقر، ذلك أن رواتبهم لم تتجاوز 1500 ريال ودخلهم لم يتجاوز 18 ألف ريال سنويا. هذه الأرقام تزيدك رعبا إذا عرفنا أن هناك مليون عاطل عن العمل يعتمد على حافز المنتهي بعد سنة، وأن إيجار منزل صغير يتسع لرجل وزوجته وابن واحد يكلف قريبا من 15 ألف ريال.
لقد كتبت كثيرا عن مشكلة تدني الرواتب ومشكلة الحد الأدنى وخطورة سياسة بقاء الوضع على ما هو عليه، وهي سياسة اقتصادية لن تجدي نفعا أبدا، فهذا الأمر خطير جدا والتعامل يجب أن يتم بصرامة أكبر وشجاعة اقتصادية فائقة، بل يجب أن نعمل لحل هذه المشكلة الاقتصادية المتفاقمة إلى حد مرعب. قلت لقد مضى العالم الأوروبي قرونا وهو يئن تحت سطوة الرأسماليين الذين صيغت لهم (ولتبرير جشعهم) نظريات اقتصادية ترى العامل كجزء من منظومة الإنتاج وسلعة تحكمها عوامل العرض والطلب. وكنتيجة حتمية ـــ لتلك النظرية ـــ فإن أجور العمال تنخفض كلما زاد عددهم حتى تصل حد الكفاف أو أدنى. بل ذهب منظرو الرأسمالية في تلك الحقبة إلى ما هو أسوأ وأخطر حيث حملوا العمال ''أنفسهم'' مسؤولية انخفاض أجورهم حتى دون حد الكفاف.
المهم في تلك الحقبة الاقتصادية الزمنية أن الحكومات تورطت في دعم الرأسماليين ضد العمال. لم يكن فساد الحكومات في تلك الفترة في أخذ الرشوة والسرقة والاستئثار بالمال، كما قد يظن البعض، بل من جانب التحيز الكامل في القرارات الاقتصادية نحو الرأسماليين، وظهرت طبقة برجوازية حكمت المجتمع وفقا لمصالح الرأسماليين، طبقة صنعها التجار طبقة من أبناء التجار أنفسهم. حتى أولئك العلماء الاقتصاديون الرأسماليون الذين تغنى بهم علم الاقتصاد كثيرا لم يكونوا سوى برجوازيين صنعهم رجال الأعمال، لذا لم ينفكوا تأييدا لكل ما يفرض سلطة الرأسماليين ويعزز احتكاراتهم وسطوتهم على العمال، ظهر فساد الحكومة عندما انحازت بالكامل للرأسماليين حتى في تفسير المشكلات الاقتصادية وفي إصدار القوانين التي تحمى التجار فقط حتى ولو كان على حساب المجتمع نفسه، وانتهت تلك الحقبة بالثورات.
ما أرعبني في تصريح مساعد محافظ مؤسسة التأمينات الاجتماعية أنه جاء على السياق نفسه من اتهام العمال في مشكلة تدني رواتبهم، حيث قال ''إنها لا تتوافق مع الأجور الفعلية السائدة في سوق العمل في السعودية، ما يشير إلى أن الأغلبية منها غير صحيحة، كما أنه من غير المتصور أن يكون الأجر أثناء العمل 1500 ريال في حين يكون معاش التقاعد بعد ترك العمل نحو ألفي ريال'' انتهى التصريح. لا أعرف من أين جاء مساعد المحافظ بهذه المعلومات (الأجور الفعلية أكبر من 1500 ريال) وأن هناك تزويرا في رواتب العمال حتى لا تدفع الحصة الخاصة بها. فإذا كان من الممكن قبول هذا الرأي (نظريا) في قطاع العمال الأجانب فإنه يصعب القبول به في قطاع العمال السعوديين. نحن نعلم جميعا أن راتب التقاعد في نهاية الخدمة يعتمد على راتب العمل المصرح به للتأمينات الاجتماعية، فهل يعقل أن موظفا سعوديا يحصل على راتب خمسة آلاف ريال ويقبل أن تدفع له المؤسسة التي يعمل عندها تأمينات عن 1500 ريال .. فكيف إذا كان راتبه عشرة آلاف ريال؟ إن في ذلك خسارة كبيرة عليه، وهي غير مبررة، فما الذي يجبره على ذلك وعلى حرمانه من الانتفاع بمزايا النظام العديدة في حالة التقاعد من العمل أو العجز أو الوفاة أو عند التعرض لإصابة عمل؟ قد لا يهتم العامل الأجنبي وقد يقبل المخاطرة في سبيل البقاء في المملكة فهو على كل حال لن يحصل على راتب تقاعدي، لكن العامل السعودي يهتم حتى لو قرر أن ينتقل إلى مؤسسة أخرى، ذلك أن خدماته وحصصه تضم بعضها إلى بعض في النظام، فلماذا يرضى بمثل هذه المخاطرة الكبيرة ولمصلحة مَن؟
من المدهش أن مساعد المحافظ أنهى تصريحه مشدداً على أن المؤسسة تقوم بزيارات دورية للمنشآت للتأكد من صحة الأجور، وأنه في حال اكتشاف أجور غير صحيحة يتم تصحيحها بما يتوافق مع الأجور الفعلية، انتهى. فإذا كانت هناك زيارات وكان تصريح المساعد صحيحا فهلا أخبرنا كم نسبة الشركات والسعوديين الذين قاموا بتزوير معلومات عن رواتبهم وهم يعملون فعليا في المؤسسة (أي ليست عملية تهرب من نطاقات وسعودة وهمية)؟ وسؤالي للمساعد وهو يقوم بهذه الزيارات: هل زار مؤسسات التعليم الأهلية؟ هل شاهد موظفي الأمن عند بوابات الشركات التي زارها؟ هل عرف عن وظيفة المعقب المضنية في زمن الحكومة الإلكترونية .. هل سأل كل أولئك عن رواتبهم؟
ما لا يرغب مساعد المحافظ في قوله (أو تصديقه) أن هذه الـ 1500 ريال هي رواتب حقيقية رغم أنها غير مقبولة ولا معقولة، وأن هناك ظلما هائلا على أكثر من 500 ألف عامل سعودي مسجلين في التأمينات الاجتماعية. لقد كان عدد من التجار السعوديين أكثر صراحة وهم يقولون بتدني رواتب العمال السعوديين، وهناك من أطلق مبادرة خمسة آلاف ريال كحد أدنى ومع ذلك فلم تزل استجابة الحكوميين ضعيفة جدا.
تأملنا خيرا في (حافز) أن يسهم في وضع حد أدنى للرواتب، لكنه اشترط شروطا جعلت العمال السعوديين يرضون بمقولة قليل دائم خير من (لن أقول كثير) منقطع. تمنيت لو أن مؤسسة التأمينات الاجتماعية وضعت حدا أدنى للرواتب المقبولة عندها في كل وظيفة وإذا جاء راتب أقل من ذلك الحد رفض العقد تماما، مثل هذا الإجراء (قد) يسهم في بعض العدالة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي