التميز الأكاديمي للإدارة العامة السعودية وتحديات التطبيق
يعتبر قسم الإدارة العامة في جامعة الملك سعود من أوائل الأقسام التي أنشئت لتطوير الإدارة الحكومية على مستوى الوطن العربي، وبلغ حالة من النضج الأكاديمي بخبرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود وبأعضاء هيئة تدريس مميزين تخرجوا في أفضل الجامعات العالمية ولديهم باع طويل في الأبحاث النظرية والدراسات التطبيقية والاستشارات المهنية والتدريس الجامعي والتدريب الإداري، وقد كللت هذه الجهود بحصول برنامج الماجستير في القسم على المركز الثالث على مستوى الشرق الأوسط حسب ما أورده موقع أفضل برامج الماجستير على مستوى العالم في أمريكا، ولكن السؤال: إلى أي مدى تتم الاستفادة من هذا المخزون الأكاديمي في تطوير العمل الحكومي، خاصة فيما يتعلق بصياغة السياسات العامة والإسهام في توجيه جهود التنمية وتطوير النظم الإدارية ومعالجة القضايا والتحديات الوطنية؟ هذا تساؤل مشروع في ظل المساحة الكبيرة المطلوبة لتحسين السياسات والخطط والمشاريع العامة ورفع أداء الأجهزة الحكومية لتحقيق أهدافها جودة ونوعا وكما. وعلى الرغم من إدراك أصحاب القرار الحكومي إمكانات القسم الكبيرة بدليل تولي الكثير من أعضائه مناصب وزارية وقيادية في القطاعين العام والخاص، إلا أنه لم تتم الاستفادة من الخبرات العلمية والعملية لأعضاء هيئة التدريس في تطوير عملية القرار العام بسبب أن السياسات العامة ودراسات الرأي العام لم تحظَ بنصيب من الاهتمام. والقسم الذي يقدم برنامجي الدكتوراه والماجستير يتضمنان مسارات تشمل الموارد البشرية، الإدارة المحلية، إدارة المؤسسات غير الربحية، الجودة وإدارة المشاريع، تحليل السياسات، والإدارة المالية، يواجه تحديا كبيرا في التوفيق بين المعارف والمهارات المطلوبة والواقع الإداري في مكان العمل، حيث لا يتم في كثير من الأحيان تطبيق المعايير والأساليب الإدارية. هذه الفجوة بين النظرية والتطبيق تلقي بظلالها على دافعية الملتحقين ببرامج القسم من الممارسين الذين يجدون من الصعب تطبيق تلك المفاهيم والمبادئ الإدارية التي تهدف إلى تحسين العمل وزيادة الإنتاجية وتحقيق مستويات أعلى من الكفاءة. كما أن عدم إتاحة الفرصة لأعضاء هيئة التدريس في الاقتراب من الواقع الإداري عبر تقديم الاستشارات والدراسات الميدانية والمشاركة في صياغة السياسات العامة يوسع الفجوة بين النظرية والتطبيق.
إن حقل الإدارة العامة يجمع بين الأفكار النظرية والمهارات التطبيقية، لذا لا يمكن تصور عزل المعرفة الأكاديمية عما يجري في مكان العمل، بل إنه لا يمكن بأي حال من الأحوال بناء النظرية الإدارية دون معلومات تستقى من الممارسين حول الواقع الإداري. هذه العلاقة التبادلية والتكاملية بين المنظرين والممارسين أساس في تحقيق التنمية الإدارية وبناء الخبرة والجسم المعرفي وإدارة المجتمع. وهذا أمر في غاية الأهمية، إذ إنه يسهم في تشكيل هوية الإدارة العامة السعودية تأطيرا نظريا وممارسة عملية، فالعمل الإداري يكون على هدي النظرية بتوجهات واضحة وبوعي تام لما ينبغي أداؤه، وفي المقابل تعكس النظرية قيم المجتمع وثوابته. إن غياب هذا الترابط بين النظرية والممارسة السبب وراء تدني مستوى الأداء الحكومي بوجه عام، وإلا كيف نفسره مع وجود متخصصين في الإدارة العامة أثبتوا قدراتهم الفكرية ومهاراتهم التحليلية عبر بحوث محكمة في دوريات عالمية ذات معايير عالية؟ إن التنمية الإدارية الحقيقية تكمن في تسخير الأفكار والرؤى والتصورات والمقترحات النظرية لفهم الواقع ومن ثم تطويره. هذا الانسجام بين النظرية والتطبيق في الإدارة العامة أحد أهم أسباب تقدم الأمم وشرط في انطلاقة المجتمعات النامية نحو العالم الأول. فالإدارة العامة مفتاح التنمية إن صلحت صلح القرار العام وتحولت الإرادة السياسية والتوجهات العامة بكفاءة وفاعلية إلى مشاريع وخدمات حيوية تستجيب لاحتياجات المجتمع الحاضرة وتطلعاته المستقبلية.
إن المعطيات الجديدة على الساحتين الداخلية والخارجية تحتم إعادة النظر في نظام الإدارة العامة، فهناك قصور واضح في أداء الأجهزة الإدارية والسبب الرئيس هو المركزية الشديدة داخل المنظمات العامة وضعف صلاحيات الإدارة المحلية والاعتماد الكبير على البيروقراطيات في صنع القرار العام دون رقابة مجتمعية من خلال مجالس نيابية. وهذا الوضع أفرز فسادا وخللا إداريا قلل من العائد من المشاريع والخدمات الحكومية في تحقيق تنمية متوازنة ومستدامة قادرة على التصدي للتحديات ومعالجة المشكلات ومن أهمها الفقر الحضري وانكماش الطبقة الوسطى والإرهاب والجريمة والبطالة والازدحام المروري. وعلى الرغم من أن هذه القضايا واضحة ومتفق على أهميتها وضرورة معالجتها، إلا أن تناولها من خلال قطاعات حكومية متفرقة دون وجود استراتيجية ذات رؤية مشتركة توحد وتنسق الجهود جعل من الصعب إيجاد حلول شمولية متكاملة. وهكذا تستمر الأوضاع المتأزمة مع وجود الإنفاق الحكومي السخي والنوايا الصادقة في القضاء على هذه المشكلات. على سبيل المثال ما زالت مشكلة البطالة ولسنوات تؤرق المجتمع دون أن يلوح في الأفق انفراج وحل جذري، لأن علاجها اختزل في المتاح وليس الممكن. فالنظرة البيروقراطية قاصرة ترى الشباب المؤهل الباحث عن العمل عبئا وليس عنصر إنتاج يمنح الميزة التنافسية، إضافة إلى التركيز على التوظيف عند النوع والمستوى ذاتهما من الإنتاج دون إدراك ضرورة زيادة النمو الاقتصادي من خلال تنمية صناعية واقتصادية توفر وظائف ذات دخل عال تتناسب مع المستوى المعيشي للمواطن السعودي ومؤهلاته.
إن السبيل للخروج من هذه المشكلات وربما الأزمات في تطوير الإدارة العامة ومناقشة القضايا الرئيسة والحرجة بشفافية وموضوعية وبناء على دراسات ميدانية وأبحاث علمية تقدمها أقسام الإدارة العامة في الجامعات السعودية. النظام المالي العام ونظام الخدمة المدنية يعانيان قصورا كبيرا، بل هما عاجزان عن مجاراة التغيرات والمستجدات التي يشهدها المجتمع إن لم يكونا حجر عثرة لتقدمه على مسار التنمية. هل يصح أن يكون من السهل توظيف غير السعودي في الأجهزة الحكومية بينما يكون توظيف السعودي عبر إجراءات ورقية مطولة تستغرق أشهرا وربما أكثر عندما يستدعي الأمر وجود وظيفة شاغرة؟! ومع ذلك ننادي بمعالجة مشكلة البطالة! هل يصح أن يشترط أن يضمن الموظف السلفة المالية باسمه مجاملة لزملائه ولأجل تسيير العمل؟! وهل يصح أن يكفل الموظف السعودي زميله غير السعودي عند مغادرته في إجازة ويتحمل تبعات ذلك؟! هذه بعض الغرائب والعجائب في نظام الإدارة العامة وهناك الكثير. لماذا السكوت عنها مع التوجه الجاد نحو محاربة الفساد الإداري والمالي؟ الحل لدى أقسام الإدارة العامة في الجامعات السعودية فهل تتم الاستفادة من أعضاء هيئة التدريس الذين تكفلت الدولة بابتعاثهم لأفضل الجامعات وتأهيلهم كخبراء في تطوير الإدارة الحكومية؟