سوق الاتصالات يتسع للمزيد من المشغلين
يروج كبار مسؤولي شركات الاتصالات وملاكها لفكرة تشبع سوق الاتصالات بالشركات الموجودة حالياً وأن مستويات المنافسة فيها مرتفعة. فهل سوق الاتصالات متشبعة حقيقةً بالمشغلين الحاليين أم لا؟ وهل درجات المنافسة قوية في السوق؟. ويمكن الإجابة عن هذين التساؤلين من خلال النظر إلى البيانات المالية لشركات الاتصالات وتحديد معدلات التركز في سوق الاتصالات. فلو نظرنا مثلاً إلى بيانات إجمالي مبيعات الشركات الثلاث العاملة في سوق الاتصالات فسنلاحظ وبكل وضوح وجود مستويات تركز عالية في سوق الاتصالات، حيث تسيطر شركة الاتصالات السعودية على نحو ثلثي مبيعات خدمات الاتصالات. وهذه النسبة مؤشر قوي على تمتع الشركة بقوة احتكارية كبيرة في سوق الاتصالات. وهناك العديد من المؤشرات الأخرى التي يمكن استخدامها لمعرفة مستويات التركز في الأسواق، ولعل من أبرزها وأكثرها استخداماً مؤشر HHI لقياس تركز النشاط. وتراوح قيمة هذا المؤشر بين صفر، و10000 نقطة، وكلما ارتفعت قيمته ارتفعت مستويات التركز. ويبلغ المؤشر قيمته القصوى عند وجود مشغل واحد في السوق أو الاحتكار الكامل للسوق، وتنخفض قيمته إلى صفر في حالة وجود منافسة تامة. ونظراً لاستحالة وجود منافسة تامة في الأسواق فإن انخفاض مستوياته لأقل من ألف نقطة يدل على وجود مستويات منافسة قوية. وتعتبر مستويات التركز في السوق مرتفعة وتبرز الممارسات الاحتكارية إذا تجاوزت قيمة المؤشر 2000 نقطة. وبلغت معدلات التركز سابقاً في سوق اتصالات المملكة الحد الأقصى (احتكار كامل حيث بلغت قيمة مؤشر التركز 10000 نقطة)، وذلك قبل فتح سوق الاتصالات وإصدار رخص للمشغلين الآخرين. ويسمح الاحتكار الكامل في السوق للمشغل الواحد بتحديد أسعار الخدمة أو بتحديد الكمية المباعة من الخدمة، لكن لا يسمح له كما يظن الكثير من الناس بتحديد الاثنين معاً وفي الوقت نفسه. وكانت شركة الاتصالات تقوم بطيف واسع من الممارسات الاحتكارية التي كان أبرزها رفع الأسعار، تحديد نوعية الخدمة، والعجز الكبير في خطوط الهاتف، والانتظار لسنوات للحصول على خدمات الهاتف الذي عاناه الكثير من المشتركين في السابق.
وانخفضت نسبة التركز في سوق الاتصالات بعد ظهور شركتي موبايلي وزين ما أرغم شركة الاتصالات على تحسين خدماتها بشكل كبير، لكن ما زالت الشركة تقوم بالعديد من الممارسات الاحتكارية التي يظهر بعضها من حين إلى آخر. وبلغت قيمة مؤشر التركز 5157 نقطة في سوق الاتصالات خلال عام 2011. وهذا يثبت وجود مستويات تركز عالية وقوى احتكارية قوية في هذه السوق. وتمكن القوة الاحتكارية الشركة من ممارسة العديد من التجاوزات دون المعاناة كثيراً من نتائج هذه الممارسات. فقد شهدت فواتير مشتركي شركة الاتصالات فوضى كبيرة منذ فترة بسبب الأخطاء الكبيرة التي صاحبت تغيير نظام الفوترة في الشركة ولم تعترف الشركة بأخطائها ولم يقم أحد بمحاسبتها. ومن الممارسات الاحتكارية للشركة ازدحام مكاتب خدمة العملاء وإضاعتهم أوقاتا طويلة انتظارا لخدماتها، وارتفاع تكاليف الاتصال بالإنترنت، وتأخر مشاريعها، وكثرة أخطاء العاملين فيها، وارتفاع مستويات المكافآت السخية لكبار موظفيها، والأخطاء المهنية الجسيمة التي رافقت بعض استثماراتها الخارجية كلفت الشركة مليارات الريالات.
وتشير بيانات حجم المبيعات لشركات الاتصالات إلى سيطرة شبه كاملة لشركة الاتصالات السعودية على سوق الاتصالات في المملكة. ومكنتها هذه السيطرة من التمتع بقوة كبيرة في التأثير في أسعار ونوعية خدمات الاتصالات في المملكة. ولهذا فمن الطبيعي أن يقاوم مسؤولو وملاك شركة الاتصالات السعودية خصوصا وباقي شركات الاتصالات بوجه عام فتح سوق الاتصالات لمزيد من المشغلين، وذلك للمحافظة على مكاسب الشركة ( الشركات) في سوق الاتصالات. إن معدلات التركز العالية في سوق الاتصالات ستستمر لفترة من الزمن حتى لو ارتفعت حصتا المشغلين الآخرين في سوق الاتصالات وتساوت مع حصة شركة الاتصالات، ونتيجةً لذلك سيستمر استغلال المشغلين قواهم الاحتكارية وستستمر خسارة المستهلكين فوائض الاستهلاك. ولا يمكن الحد من الممارسات الاحتكارية في سوق المملكة للاتصالات إلا من خلال خفض مستويات التركز في السوق ومنح رخص إضافية لمشغلين جدد.