رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


حملة لاستقطاب الأفكار الريادية

أطلق معهد الأمير سلمان لريادة الأعمال في الأسبوع الماضي حملة ''أستطيع''، التي تستهدف استقطاب الأفكار الريادية وتعزيز ثقافة ريادة الأعمال لدى طلاب الجامعة بشكل خاص والمجتمع بشكل عام. والحملة تأتي في سياق توجه جامعة الملك سعود نحو الإسهام في بناء اقتصاد المعرفة، ففي ظل التحديات الكبيرة والمستجدات على الساحتين الداخلية والخارجية التي من أهمها ارتفاع نسبة البطالة والفقر الحضري، إضافة إلى العولمة وما أفرزته من تشابك المصالح بين الدول وازدياد حدة المنافسة. كل ذلك يستدعي توليد الأفكار الإبداعية وتحويلها إلى مشاريع ذات جدوى اقتصادية وعائد اجتماعي. لقد أصبح من الضروري زيادة القدرة الإنتاجية للاقتصاد الوطني عبر صناعات ومشروعات تضيف قيمة اقتصادية وتعزز مكانتنا التنافسية. وهنا لا بد من التأكيد على نقطة في غاية الأهمية، وهو أن الدخل القومي الحالي لا يعكس بشكل تام الجهد العضلي والفكري، وإنما مستوى أسعار النفط في السوق العالمية. ففي اقتصاد ريعي مثل الاقتصاد السعودي قد يتلبس البعض تصور خاطئ بقوة الاقتصاد اعتماداً فقط على القوة المالية، وبالتالي لا يكون هناك سعي جاد نحو البحث عن أفكار وأساليب وأوضاع إنتاجية تعزز نمو الاقتصاد وتدفع به إلى مستويات أعلى تمكنه من مواجهة الطلب العام المتزايد، بسبب الزيادة في عدد السكان وتغيير أنماط الاستهلاك. لم يعد بمقدورنا كمجتمع أن نبقى في منطقة الراحة أو ما يسميه الاقتصاديون ''المرض الهولندي'' حين يتراخى الجميع، بسبب الوفرة المالية وبالتالي لا يجتهدون في تطوير الصناعة وتوليد دخول حقيقية عبر تحويل الأفكار الإبداعية إلى مشاريع تسد حاجات المجتمع وتسهم في الوقت ذاته في توسيع دائرة التطوير وزيادة الخبرة والمكانة التنافسية.
هذه الأفكار الإبداعية التي هي عناصر أساسية للتطوير الاقتصادي والصناعي تتطلب ثقافة اجتماعية بحيث يكون لدى الأفراد والجماعات في المجتمع دافعية وباعث نحو التميز والبحث عن الأفضل والتفكير خارج النمط المعتاد. من هنا ولكسر الحاجز النفسي لدى الأفراد وإزالة الأوهام والمخاوف من الدخول في تجارب جديدة وسبر أغوار المجهول والوصول إلى حيث لم يصل إليه الآخرون، يجب على الإنسان أن يكون على ثقة في النفس، مدركا الإمكانات الهائلة التي يمتلكها. هذا بطبيعة الحال يستلزم أن يتخلص الأفراد من الأفكار والمعتقدات والتصورات التي تحول دون الإبداع والابتكار والاختراع والمجازفة، لذا كانت الرسالة الأساسية من الحملة هو التأكيد على أن الإنسان يمتلك زمام المبادرة والإرادة، وهو من يحدد ماذا ومتى وكيف يتصرف، لذا كان على الفرد المبادرة بالتخلص من التخوف والتردد وعزم المسألة، بدلا من جعل الأحداث والظروف البيئية والاجتماعية هي التي تسيره. من أجل ذلك تبنت الحملة شعار ''أستطيع''، ليكون دافعاً نحو رفع مستوى الوعي بالذات واستكشاف الإمكانات وتوظيفها لتحقيق الطموحات وتحويل الأحلام والأمنيات إلى واقع وحقيقة معاشة.
إن من بين أهم الأمور التي ركزت عليها الحملة هو أن الفرص تتولد من رحم المشكلات، إذ إن المشكلة تدفع نحو البحث عن حلول إبداعية، فكل مشكلة تتطلب حلولا خاصة بها. والمقصود بالمشكلة هنا الفرق بين الوضع الراهن والوضع المرغوب، وهي تمثل احتياجات المجتمع التي تدفع نحو الاختراع. وطبيعة النظر إلى المشكلة يحدد نوعية الحل، فالنظرة الضيقة التي تدور داخل إطار المعتاد ليست مثل النظر إلى مشكلة بطريقة جديدة خارج النمط المعتاد. على سبيل المثال بدلا من أن نسأل ما التصميم الأفضل لجسر يربط بين منطقتين، يكون من الأجدر أن نسأل ما الوسيلة الأفضل للعبور من منطقة إلى أخرى؟ فربما كانت هناك وسيلة أفضل وأقل تكلفة من بناء جسر. وهناك مثال من الواقع يؤكد هذا الفرق، فحينما أرادت ''ناسا'' تطوير قلم يمكن استخدامه للكتابة في الفضاء عند حالة انعدام الجاذبية، فقد أنفقت أموالا طائلة للتوصل إلى مثل هذا القلم، في المقابل وجد الروس حلا بسيطا، لأنهم وسعوا دائرة الخيارات والنظر إلى المشكلة بطريقة مختلفة، فبدلا من أن يسألوا كيف نجعل القلم يكتب في الفضاء؟ كان تساؤلهم ما الوسيلة الأفضل للكتابة في الفضاء؟ فوجدوا أن القلم الرصاص (الرخيص جدا) هو الأمثل.
هذا النمط من التفكير يحتاج إلى التدريب على إعمال العقل والتفكير خارج الصندوق. من هناك كان من الضروري انتهاج أسلوب جديد في التعليم يعتمد على التفكير النقدي، والتحليل الذهني، وفهم المتغيرات، ووضع التصورات. إن المهمة الرئيسة هو تعليمهم كيف يتعلمون من خلال توظيف المعلومات وفهم ما يدور حولهم، فليس المهم ما يعرفونه، ولكن ما يتعلمونه. هذا النهج في التعليم يتطلب مناهج وطرق تدريس تطور التفكير، وليس الاعتماد على زيادة معلومات بالتلقين. للأسف ما زالت فلسفة التعليم تعتمد على قياس التحصيل العلمي وحسب، وهذا يقلل من قدرات الطالب الذهنية، ويكون الدافع لدى الطالب من التعلم تحقيق أعلى الدرجات، وليس بالضرورة زيادة المعرفة والحس النقدي. كما أن أسلوب التعليم يستلزم أن يتحول فيه المعلم من كونه مصدرا للمعرفة إلى ميسر وموجه لها، هذا إضافة إلى ربط المعلومات بالواقع باستخدام الحالات الدراسية، وتمثيل الأدوار والزيارات الميدانية. هذا هو السبيل لجعل الطلاب يمتلكون المعرفة ويستوعبونها فهما عمليا مرتبطا بالواقع يعود بالنفع عليهم. لذا على الرغم من أن الحملة استهدفت الطلاب والطالبات، إلا أنها في واقع الأمر تؤكد على أهمية تضافر الجهود بين جميع الأطراف المؤثرين في تهيئة بيئة صالحة تشجع وتنمي ريادة الأعمال وروح المبادرة، فالمؤسسات التعليمية، والأسرة، والأجهزة، والسياسات، والإجراءات، الحكومية، ومؤسسات القطاع الخاص، وثقافة المجتمع، جميعها عناصر أساسية في تنشئة الأفراد على الجسارة والمبادرة والمجازفة والتطلع إلى الأفضل. لقد حان الوقت إلى تبني عمل جماعي يعيد الثقة إلى الشباب ليقول كل واحد منهم ''أستطيع''.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي