رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


عدم فعالية مراقبة حسابات العمالة الوافدة

ورد في صحيفة ''الاقتصادية'' أن وزارة العمل تستعد لإطلاق برنامج لمراقبة أجور العمالة الوافدة، وسميت هذه الآلية ''برنامج حماية الأجور''، ويقوم البرنامج بتقصي أجور العمالة التي تتجاوز معدلات الأجور المعتادة (عبارة مطاطة يتوقف تفسيرها على الشخص الذي يطبقها). ويتصور واضعو البرنامج أن تطبيق نظام آلي لمراقبة حسابات العمالة الأجنبية سيمكنهم من السيطرة على تحويلات العمالة، أو الحد منها ومنع العمالة الأجنبية من تحقيق دخول من النشاطات الأخرى. ومن الأخطاء الفادحة التي يرتكبها الكثير من البيروقراطيين الاعتقاد بأن في استطاعتهم التخلص من المعضلات الشائكة من خلال وضع أنظمة وبرامج آلية على الحاسبات، تستطيع التحكم في البشر، ويغفل هؤلاء عن إدراك أن الطاقات البشرية المؤهلة الكفؤة هي أهم أدوات تطبيق الأنظمة وهي الركيزة التي يقوم عليها تطبيق أي قانون وتفعيله.
ويمكن الإشارة هنا إلى أن نسبة كبيرة من العمالة الأجنبية لن تتأثر بهذا البرنامج؛ لأنها لا تستخدم أساساً النظام المصرفي. من جهة أخرى، ينبغي التأكيد من الناحية القانونية على أن وضع نظام لمراقبة حسابات أي شخص أو مجموعة من الأشخاص بما في ذلك العمالة الأجنبية هو اقتحام لخصوصية الأفراد والمؤسسات التي تحميها جميع القوانين والأنظمة.
وتؤكد أنظمة وشرائع دول العالم المتمدينة على منع تعدي أي جهة كانت، سواءً حكومية أو خاصة، على الخصوصية إلا بموجب أمر قضائي ناشئ عن تحقيق حول مخالفة ألأنظمة. وحتى لو قبلنا بضرورة هذه الخطوة فإن المراقبة المنظمة للحسابات المصرفية تحد من حرية التبادلات الاقتصادية، وهو تدخل في مسيرة العمل المصرفي، وستقود إلى نتائج سلبية على كفاءة التبادلات الاقتصادية والنظام المصرفي. وإضافة إلى النتائج السلبية المتوقعة لتطبيق نظام مراقبة حسابات الأفراد المصرفية فإنه لن ينجح أيضاً في الحد من حجم التحويلات للخارج ولا من مخالفات وأنشطة العمالة الأجنبية، لأن من السهل تجاوز العقبات التي سيضعها أي برنامج مراقبة. وتشير تجارب ومحاولات دول كثيرة في الماضي (وخصوصاً الدول الاشتراكية) إلى عدم جدوى أنظمة التحكم في الحسابات المصرفية والتحويلات إلى الخارج. وقد كان مصير محاولات السيطرة على التبادلات الاقتصادية من خلال مراقبة الحسابات المصرفية والتحكم بالتحويلات المالية إلى الخارج فاشلة، بل أدت إلى نتائج كارثية على اقتصاداتها. وقد شهد العديد من الدول التي طبقت قيودا على التحويلات للخارج ظهور ممارسات إجرامية وتكون مؤسسات أو مافيات لتهريب الأموال إلى الخارج.
ويمكن تجاوز العقبات التي سيوجدها أي برنامج لمراقبة الحسابات المصرفية بكل يسر وسهولة، حيث سيقود مراقبة الحسابات المصرفية إلى الحد من استخدام العمليات المصرفية (الشيكات، والتحويلات) والتعامل بالأساس النقدي أو حتى المقايضة في التبادلات الاقتصادية، وهذا مستخدم بشكل واسع في جميع دول العالم بما في ذلك الاقتصاد السعودي. وعند ارتفاع استخدام النقد في التداولات الاقتصادية ستزداد حالة عدم اليقين في التعاملات الاقتصادية ولن تتم معرفة حجم التبادلات التجارية للمخالفين، وسيؤدي هذا أيضاً إلى ازدياد قيمة الاقتصاد غير المنظور أو ما يسميه البعض ''الاقتصاد الخفي''؛ ونتيجةً لذلك سيخسر الاقتصاد ككل والقطاع المصرفي خصوصاً من الاستخدام المتزايد للنقد ويفقد بعض مصادر دخله. ويمكن لأي شخص تجاوز القيود على التحويلات للخارج عن طريق حمل النقد بصورة ذاتية أو عن طريق أصدقاء أو وسطاء أو أطفال أو نساء أو عن طريق مواطنين. كما يمكن تجاوز العقبات في هذا البرنامج عن طريق شراء وتبادل سلع ثمينة أو حتى سلع عادية. ويمكن أيضاً تجنب العوائق التي ستنتج عن البرنامج عن طريق وضع أجور مرتفعة لا تمت للواقع في عقود العمل. والأخطر من ذلك هو احتمال نشوء مؤسسات غير رسمية لغسيل الأموال تقوم بجمع أموال المقيمين بالنقد من داخل المملكة والدفع بعملات أجنبية في الدول التي تقطن فيها العمالة دون المرور خلال النظام المصرفي، وهنا ستنشأ بعض الممارسات الإجرامية وستخسر المصارف عمولات التحويل، كما سترتفع مستويات الخطأ في حجم التحويلات الأجنبية في حسابات ميزان المدفوعات. وعموماً يمكن القول إن وضع برنامج لمراقبة حسابات المقيمين أو غيرهم سيقود إلى نتائج سلبية ولن يحقق الغاية المرجوة من وضعة مقللاً من كفاءة الاقتصاد دون أي فائدة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي