رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


التعليم الحاضر الغائب

المتأمل في وضع التعليم في السعودية يجد أنه يجمع بين عدة متناقضات، أهمها الإجماع على أهميته وأولويته الوطنية، وفي الوقت نفسه التعامل معه على أرض الواقع على العكس من ذلك تماما. وربما يعكس قطاع التعليم في تناقضاته ثقافة إدارية نجدها في معظم الأجهزة الحكومية، ترتكز على إجراءات مطولة دون إنجاز فاعل، وعلى تنظيمات شكلية دون مضمون، وعلى المدخلات دون ربطها بالمخرجات والتأثير النهائي. وهذا جميعه إفراز لحالة من تمركز سلطة صناعة القرار العام في البيروقراطيات العامة دون رقابة شعبية عبر مجالس نيابية. وغياب المجالس النيابية والانغلاق البيروقراطي يعزز الاتجاه إلى صناعة القرار من الداخل؛ اعتمادا على التنظيمات الإدارية دون النظر إلى المتغيرات البيئية الخارجية؛ ما يقلل فرصة التعلم وبناء الخبرة. ولذا هناك الكثير من الجهود والموارد الموجهة نحو إحداث التغيير والتطوير، لكنها في واقع الأمر لا تطول جذور المشكلة. فالتعليم منظومة متكاملة ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتم تطوير جزء دون باقي أجزاء العملية التعليمية. إن فلسفة التعليم القائمة على التحفيز الخارجي، حيث يكون التعليم من أجل الشهادة فقط، وليس الاستزادة من المعرفة وتنمية مهارات التفكير النقدي لدى الطالب والثقة بالنفس وفهم ما يدور حوله من أحداث والقدرة على التواصل تختزل العملية التعليمية في أدنى حدودها. فتقييم أداء الطلاب على مقدار المعلومات التي يستطيعون استرجاعها على ورقة الإجابة لا تطور فكر الطالب، بل تحوله إلى مجرد مردد للمعلومات، همه الحصول على أعلى درجة بغض النظر عن قناعته بالمعلومات أو مدى استفادته منها في تحسين معيشته وفهم واقعه. وما يشجع على نهج التلقين هو سهولته لأنه لا يتطلب جهد التفكير والإعداد والإبداع في العملية التعليمية. وهكذا تفقد العملية التعليمية قيمتها لأنها تتحول إلى عملية صورية لا تصل إلى أعماق الطالب فتكون ثقيلة عليه، خارج ذاته لا يتملكها ولا تربطه بها علاقة، ويكون هم الطالب التخرج والانتهاء من هذه المأساة والوضع الممل والغربة النفسية. وجراء ذلك يتولد لدى الطالب مفهوم خاطئ وخطير وهو أن التعليم عملية غير مجدية وغير ممتعة وأنه شر لا بد من تجاوزه بأي طريقة كانت. وبذلك تكون النظرة لعملية التعلم قصيرة المدى وليست عملية مستمرة مدى الحياة.
ومما يزيد الطين بلة أن هناك مركزية شديدة تسلب المسؤولية من مديري المدارس وتحرمهم الإبداع والمبادرة وتقف حاجزا عن التطوير والبحث عن التميز ويكون تقييم أدائهم على مدى تنفيذهم للإجراءات الورقية وليس مستوى التعلم لدى الطلاب. ويتحول التعليم من مهنة احترافية إلى عمل بيروقراطي صرف تكون فيه العلاقة بين المعلم والطالب علاقة تشبه إلى حد كبير علاقة الموظف الحكومي بالمراجعين تتصف بالصلفة والتكبر والتجبر وإلزام الطالب بالإذعان بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. فتراهم يحشرون الطلاب في فصولهم بطريقة تعسفية ظاهرها الانضباطية وباطنها حبسهم وممارسة السلطة بطريقة سمجة غير حضارية! وعندما ينتفي المبرر ويغيب المنطق في الأوامر والتوجيهات ينتج عنه إحباط وتشويش في ذهنية الطالب، وبالتالي لا يمكنه استيعاب القصد من السلوك المطلوب. ويزداد الأمر سوءا عندما يُؤمر الطلاب باتباع الأنظمة والالتزام بالتعليمات، بينما يتقاعس بعض المعلمين عن القيام بالحد الأدنى مما يتوجب عليهم فتراهم يتغيبون عن حصصهم أو لا يؤدون أعمالهم على الوجه المطلوب طيلة الفصل الدراسي وخاصة في بدايته ونهايته. هذا السلوك غير النظامي يقلل من هيبة المدرس العلمية والأدبية ولا يستطيع عندها أن يكون قدوة حسنة ومثالا يحتذى به. وعندما لا يتمثل المعلم القيم والمبادئ التي يحث الطلاب على الأخذ بها سلوكا ومنهجا يخلق تلك الفجوة الخطيرة بين النظرية والتطبيق، وهي فجوة تعيق جهود التنمية من تحقيق تقدم نحو الأهداف الوطنية. إن منهج القدوة الحسنة أقوى وأفضل وسيلة لإحداث تغيير في فكر وميول وسلوك الطالب وهو المقصد الرئيس والمهم من العملية التعليمية. إلا أن غياب المعلم القدوة في كثير من الأحيان يفقد العملية التعليمية مصداقيتها، بل إنها تأخذ مسارا عكسيا وسلبيا يتعلم فيه الطالب عادات سيئة مثل عدم احترام الوقت والنظام وعدم الحرص على الإنتاجية والتميز. وهذا ما يفسر السلوكيات الخاطئة والتصرفات السيئة لكثير من الشباب في الأماكن العامة. ويجب ألا نستغرب هذه السلوكيات؛ إذ نحن من ربيناهم عليها بأسلوب تعليمي عقيم، وبالتالي يفترض ألا نتوقع أن يحترم الطلاب القانون العام أو أن ينضبطوا اجتماعيا ويتحملوا الوقوف في الصف وانتظار دورهم وأن يكون لديهم أدب الحوار والقدرة على استماع الرأي الآخر.
إن أكبر معوق للتنمية أن نقول ما لا نفعل لأن عندها تتحول التنمية إلى ظاهرة صوتية وحديث من أحاديث المساء. المسألة جد خطيرة، فإذا لم يلتفت إلى ظاهرة تراخي المدرسين وتغيبهم عن أداء واجباتهم التدريسية والتصدي لها بسياسات وإجراءات تضمن منع الخروقات النظامية واللامبالاة، فإنه سيتشكل طود كبير من التحديات التي سيكون من الصعب تجاوزها مع مرور الزمن. إن لكل جيل تطلعاته واحتياجاته ولا شك أن الجيل الحالي أكثر اطلاعا ومعرفة فيما يجري في كل ركن من أركان العالم بفضل التقدم في تقنية الاتصال والإعلام الجديد، وبالتالي فإن توقعاته كبيرة جدا بكبر العالم الفسيح الذي يجوبه بضغطة زر على حاسوبه الصغير بين كفيه. والخطأ والخطر ألا يرتقي أسلوب التعليم ويساير هذه التطورات الكبيرة التي تعصف بجميع المجتمعات دون استثناء وهي أشد بكل تأكيد على النظم البطيئة والمتأخرة ولم تدخل بعد إلى عالم اقتصاد المعرفة. وإذا لم يتم تغيير طريقة تفكيرنا ونظرتنا للتعليم فسنعيش على هامش الحضارات الأخرى نقتات على فتات تقنياتهم ومنتجاتهم وخدماتهم التي أبدعها شبابهم المتعلم والمدرب من قبل معلمين أكفاء يرون في التعليم مهنة عالية المرتبة وعملا مقدسا يعشقونه ويتفانون في أدائه. ونافلة القول يجب وضع حد لاستهتار أشباه المعلمين الدخلاء على مهنة التعليم الشريفة والذين لم يقدروا عظم الأمانة وحجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم. إن التربية مقدمة على التعليم أهمية، وهذا ما يعكسه اسم الوزارة المسؤولة عن توظيف وإدارة ومتابعة المعلمين، ويتوقع منها أن ترفع من أداء المعلمين كمربين يعول عليهم إحداث تغيير اجتماعي واقتصادي وثقافي إيجابي يوازن بين الأصالة والمعاصرة. وربما كان ضبط الحضور والانصراف في الوقت المحدد للدوام الرسمي الحد الأدنى والخطوة الأولى المتوقعة لإعادة الأمور لنصابها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي