مستشفى ينبع.. لا يوجد دم
توفي مريض في قسم الطوارئ في مستشفى ينبع العام، أمر طبيعي يحدث في كل مستشفى. المصيبة أن رئيس قسم الطوارئ ومشرف الطوارئ ذكرا في رسالة وجهاها إلى مدير المستشفى أن سبب الوفاة كان عدم تواجد الفني المسؤول عن توفير الدم اللازم لعلاج المريض. حاول مسؤولو الطوارئ (حسب البرقية) لمدة ثلاث ساعات ولكنهم لم يتمكنوا من الحديث مع الفني أو إبلاغه أو حتى إيجاد حل للمريض المسكين الذي يبدو أنه عانى سكرات الموت طول تلك الفترة والجميع ينظر وينتظر.
رد مدير الشؤون الصحية في محافظة ينبع ـــ وليس مدير المستشفى ـــ على استفسار صحيفة "الوطن" بأن وفاة المريض لا علاقة لها بعدم تواجد الفني، وإنما تم إعطاء المريض صفائح دم وتنويمه في الحال، وأن الخطاب المنشور هو محضر لاجتماع كان يهدف لمعالجة القصور داخل أروقة المستشفى وتطبيق المعايير الطبية. وبين أنه تم تكليف المدير الطبي والإداري بطلب الفني المناوب والذي يجب أن يكون وصوله إلى المستشفى خلال نصف ساعة من الاتصال بعد تأمين وسائل اتصال، من هواتف نقالة وثابت وبيجر، للتأكد من الوصول إلى الفني في الوقت المناسب للاستدعاء وقت طلب المستشفى له.
أقول إن الاجتماع لم يكن هدفه بحث قصور، لكنه ـــ كما هو واضح ــــ اجتماع لبحث الحالة نفسها كما توضح نسخة الخطاب الموجودة مع الخبر المنشور يوم الجمعة 6/4/2012، أي دراسة للحالة وأسباب تدني كفاءة تفاعل بنك الدم مع متطلبات قسم الطوارئ.
رد المسؤول كان جافاً وقاسياً ويهدف للتبرير دون إبداء أي تعاطف مع أسرة المريض. لا تخلو المستشفيات من المشاكل والشكاوى ولكن المهم أن يكون هناك مسؤول يهتم بالناحية الإنسانية ويتفاعل مع الأسرة بما يوفر الإحساس لدى المواطن أن المسؤول لا يرضى بالإهمال، حتى وإن وقع. كون المستشفى يقوم بالتبرير لكل حالة وفاة بأنها لأسباب خارجة عن إرادة المستشفى، يجعل المواجهة مستمرة بينه وبين المستفيد من الخدمة الذي يجب أن يكون هدف وغاية كل العاملين في المستشفى. سبق أن بررت إدارة الشؤون الصحية لحالة وفاة مماثلة قبل شهرين بأنها لأسباب صحية برغم أن ابن المتوفية أكد أن السبب هو الإهمال. كما قرأت عن شكوى بسبب وفاة جنين تقدم بها أحد المواطنين، ولم يقل أحد إن المستشفى أخطأ في أي من الحالات، يبدو أنها على رأي مسؤول في وزارة أخرى شكاوى كيدية.
الغريب أن مدير المستشفى في الحالتين لم يعقب على الموضوع ولعدم علمي بتنظيم الشؤون الصحية فقد يكون مدير المستشفى هو مدير الشؤون الصحية وهي حالة منتشرة في المملكة خصوصاً في المحافظات، وهذا يعتبر من قبيل تضارب المصالح. فإذا كان مدير المستشفى هو ممثل الوزارة الذي يفترض أن يكون رقيباً وموجهاً لكل خدمات الوزارة فهو حتماً سيحابي مستشفاه.
لماذا هذا التردي في الخدمات واستمرار الشكاوى؟ موضوع مهم، وقد يكون عنواناً لمؤتمر يجمع المختصين ويفتح المجال أمام معرفة الأسباب الحقيقية.
قضية (دكترة أو طبطبة) جميع الوظائف القيادية في وزارة الصحة وفي مديريات الشؤون الصحية والمستشفيات. الأطباء يمارسون أعمالاً إدارية برغم عدم التخصص، المشاكل الإدارية إلى انهيار العلاقة بين الطبيب وزملائه والمريض، لعدم قدرته على احتواء المشاكل. هذا بسبب عدم اعتراف الوزارة بكل التخصصات الأخرى خصوصاً تخصصات الإدارة والهندسة والقانون التي لا تجد من حاملي الشهادات والمتخصصين فيها سوى أعدادا قليلة للغاية تعصب أعمى لا يمكن فهم سببه.
ربط قضايا الموت الناتج عن أخطاء طبية وإدارية وتنظيمية بتبريرات غير حقيقية هو استخفاف بعقول الناس، هذا الاستخفاف لا يمكن أن يستمر في عصر ما بعد المعلومة. حيث يستطيع الكل أن يقاضوا أكبر المسؤولين من خلال معلومات يجدونها في الإنترنت.
عدم توافر الدم قضية شغلت وسائل الإعلام خلال الفترة الأخيرة، واستمر نفي الوزارة لوجود هذا النقص. هذه الحادثة تدل على أن الدم قد يكون متوافراً في البنك، ولكنه مفقود في بعض الوجوه.