نحن والازدواجية والأقنعة
تمر من أمام محطة الكهرباء العاشرة جنوب الرياض فتشاهد إسرافاً غير مقبول في استخدام كشافات بقوة ألف واط يبعد كل منها عن الآخر مسافة لا تتجاوز خمسة أمتار. أسوأ من ذلك أن تشاهد هذه الكشافات مضاءة في عز الظهيرة. فأين الدعوات المستمرة للحد من الإسراف في استخدام الطاقة الكهربائية؟! بذخ يجعلك تشعر النداءات (التي تبدو أحياناً أقرب للاستغاثة) ما هي سوى كلام في الهواء. فكيف تطالبوننا بتطبيق مفاهيم تخالفونها أنتم وبهذا الشكل السافر؟!
ينطبق هذا المثال على الكثير من الجهات والأشخاص الذين يستمرون في المطالبة بالتخلي عن سلوك معين، ثم يمارسونه أو يمارسه من ينتمي إليهم. ينتهك جندي المرور أو الشرطة أنظمة المرور وقوانين الأمن العام لإحضار وجبة الغداء للمناوبين أو إنهاء دوريته والعودة لمقر عمله مستخدماً المنبه المزعج والإضاءة الصاخبة التي تجعل الجميع يفتحون له الخط لاعتقادهم أنه متجه نحو حالة طارئة، ومع ذلك ينجو من العقاب.
يكتب الصحافي مقالاً عن السلوكيات الخاطئة للمواطن، خارج المملكة. وتفاجأ به يمارس سلوكيات أسوأ، ودون مبالاة وأمام الجميع. يستغرب الناس سلوكياته لكنه لا يهتم، لأنها عقدة موجودة في المجتمع الذي يعيش فيه وهو في الواقع نتاج هذا المجتمع. يعتقد من يشاهد هذا الشخص أنه يقوم بما يقوم به بحثاً عن الشهرة، والحقيقة أن هذا الاختلاف بين ما يقال والواقع، أصبح جزءاً من تركيبة المجتمع، يستوي في ذلك الواعظ والمستمع، فالكل يخالف لسبب أو آخر.
تطورت هذه الازدواجية في المجتمع لتتحول إلى أقنعة. أصبح الواحد منا يتقمص خمس شخصيات على الأقل خلال ساعات اليوم. تجده في مكان العمل بشخصية وأسلوب تعامل معين. ثم يتحول إلى شخصية مختلفة تماماً عندما يقود سيارته في الشارع. يصل البيت ليلبس قناع الكمال، يتعامل مع زوجته وأبنائه بأسلوب مختلف تماماً. يتوجه في المساء ليقابل (شلته) فيأتي القناع الأكثر جاذبية ومراعاة و(ذرابة). تجده داخل المملكة بشخصية، وفي الخارج يتحول إلى شخص مختلف تماماً. يبرع الكثير منا في تبني هذه الشخصيات المتضادة بشكل يجعل المتعامل يتحير في هذه القدرة الفريدة على تغيير الشخصية والسلوك وحتى الملامح (أحياناً)، بهذا الشكل السريع.
يعيش المتعاملون معنا من الأجانب حالة ارتباك، ويستغرب الكثير منهم قدرتنا واستمتاعنا بالادعاء (ومن هنا جاءت لفظة ''مدير'' التي يستخدمها أغلب المقيمين بيننا). تستشري حالة التناقض داخل المجتمع والأسرة، لتتحول إلى أسلوب حياة، يتوارثه الأبناء ليعيش الجميع كذبة كبرى.
تجد الوعود كثيرة والتنفيذ قليلا. تجد التهديد بالويل والثبور وعظائم الأمور كلاماً لا يتحول إلى عمل. تجد القوانين تسن ثم ينتهكها من سنها في الأساس. والعذر جاهز ''كل الناس كذا''.
يرفض الدين والعقل والأخلاق الكذب في الحديث والسلوك. فالمسلم لا يكذب بشهادة رسول الله ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ لأن الكذب هو مفتاح أقبح الأخلاق، ألا وهو النفاق. المنطق يرفض الكذب، لأن الكذب يؤدي إلى الفساد، الذي يهدم الحضارة ويقتل القيم ويقوض المنجزات مهما عظمت. والخلق القويم يرفض الكذب والتقمص غير الواقعي لأحوال وقدرات لا ينتمي إليها الفرد، وهو ما يجعل الغربي ينظر باستغراب لمن يقول ''أنا قادم من المريخ''، بينما يضحك العربي ملء فيه لأنه يعرف أنها مجرد كذبة بيضاء.
يعيش الصادقون مع أنفسهم حياتهم بواقعية وسعادة. بينما يضطر المدعون إلى طرق كل الأبواب لإنجاح مخطط التقمص القاتل، الذي تستفيد منه البنوك في الدرجة الأولى، فنحن نقترض في أغلب الأحيان ليصدق الآخرون ما ندعيه. ويستفيد منه الأعداء بعد البنوك، لأننا نستمر في الدوران في حلقة مفرغة والعالم يتجاوزنا بسرعة باستخدام الخط المستقيم.
هل عرفتم خطر تشغيل الكشافات في عز الظهيرة يا شركة الكهرباء؟