رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الإدارة المحلية: من التطوير الشكلي إلى الإصلاح الجذري

استرعاني خبر موافقة مجلس الشورى في جلسته يوم الإثنين الماضي 16 نيسان (أبريل) على مشروع تفعيل وتطوير نظام المجالس البلدية من خلال زيادة صلاحياتها لتلبية احتياجات المواطنين وتوسيع مشاركتهم في اتخاذ القرار. هذه مبادرة مقدرة وتحسب للمجلس على الأقل في تبني موضوع الإدارة المحلية الذي ظل نسيا منسيا ولم يأخذ حقه من النقاش في الحوارات الوطنية التي يعقدها مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني. والمبادرة على الرغم من أهميتها القصوى في تسليط الضوء على وضع الإدارة المحلية في السعودية، إلا أنها في واقع الأمر جاءت مختزلة وضعيفة وتدور في الفلك ذاته الضيق المعتاد من النقاش، وفي إطار مفهوم قاصر للإدارة المحلية دون الاقتراب إلى جوهر المشكلة. إن مقترح مجلس الشورى لا يتعدى كونه تطويرا شكليا وجزئيا لا يرتقي لتطلعات وطموحات المواطنين ولا يتناسب مع المعطيات الجديدة على الساحتين الداخلية والخارجية. فالحديث عن المجالس البلدية لا يأتي ضمن منظومة شاملة للإدارة المحلية وفي إطار نظام الإدارة العامة الذي يحدد العلاقات والأدوار والمسؤوليات بين مجالس المناطق والمجالس البلدية والمحلية من جهة والهيئات المركزية من وزارات ومؤسسات من جهة أخرى، كما أنه لا يأخذ بالحسبان الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والرقابة المتوازنة فيما بينهما. والحقيقة أن المجالس البلدية اسم على غير مسمى، فهي مجالس للبلديات أي مرتبطة نظاما بأجهزة البلديات وملحقة بها وليست مجالس بلدية لإدارة المدينة بأكملها بجميع قطاعاتها، فما زالت سلطاتها معنية بتقديم الخدمات البلدية التقليدية ولا تشمل إدارة القطاعات الأخرى في المدينة مثل المياه والصرف الصحي والتعليم والصحة وخدمات الدفاع المدني والمرور وغيرها. الأمر لا يقف عند هذا الحد بل من الغريب أن أمناء ورؤساء البلديات يحق لهم ترؤس المجالس البلدية التي يفترض أن تراقب أعمالهم وتقيم أداءهم! وهذه مفارقة غريبة تلغي الدور المهم للمجالس وتقوض عملية المراقبة النيابية من أساسها. ولذا فالتطوير في هذه الدائرة الضيقة يعزز استمرار المفهوم ذاته للمجالس البلدية الخاطئ أو على أقل تقدير غير الواقعي ليكون الإطار أكبر من الصورة. المطلوب ليس مقترحات شكلية حول عدد الأعضاء وعدد المجالس وغير ذلك من المقترحات التنظيمية الداخلية، ولكن منح صلاحيات نوعية وأدوار أكبر للمجالس في إدارة شمولية للمدن وفي إطار تنظيمي حكومي يوزع الأدوار والمهام والمسؤوليات بين المستويات الإدارية المختلفة للدولة المركزية والمناطقية والمحلية والبلدية. المسألة ليست مجالس بلدية وحسب، ولكن مجالس مسؤولة وقادرة على إدارة المجتمعات المحلية وتنميتها باستقلال إداري ومالي تام. إن القضايا والمشاكل المحلية متداخلة ومتشابكة ومتشعبة ومعقدة وتتطلب إدارة شمولية تتناسب مع طبيعتها المعقدة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال التصدي للتحديات المحلية وحتى الوطنية دون تمكين المجالس النيابية بسلطات تشريعية واسعة ورقابية. إن المشاكل المحلية تتطلب حلولا محلية واستجابة فورية حتى يتم وأدها في مهدها والحيلولة دون أن تكبر وتتحول إلى تحديات وطنية.
ما يلزم إدراكه في تنمية الإدارة المحلية أن هناك هرمية مكانية للخدمات العامة ولكل مستوى مدى للتأثير وبالتالي لابد من التمييز بين القرارات التي تخص المجالس البلدية داخل نطاقها المكاني وتلك المنوطة بالمجالس المحلية ومجالس المناطق والخدمات والمشاريع الوطنية الخاصة بالهيئات المركزية، وفي الوقت ذاته الأخذ في عين الاعتبار العلاقة البينية بين كل مستوى، وهذا يعني مرة أخرى أنه لا يمكن نقاش المجالس البلدية بمعزل عن المجالس والهيئات بالمستويات الأخرى. ما نعانيه في وضعنا الإداري الحكومي هو المركزية الشديدة على الرغم من وجود مجالس للمناطق والمحافظات والبلديات، فما زالت فروع الوزارات تتبع وخاضعة لتوجيهات الوزارات في العاصمة. هل مجالس المناطق والمجالس المحلية والبلدية تنظيمات شكلية لا تصنع قرارات تشريعية ومالية؟ والجواب بكل صراحة وواقعية وشفافية ''نعم''. إذا السؤال لماذا أنشئت هذه المجالس؟ ولأي غرض؟ وما أدوارها؟ وما المسؤوليات المنوطة بها؟ لا أحد يستطيع الإجابة عن هذه التساؤلات لأن أنظمتها مبهمة وضبابية ولا تمنح المجالس الاستقلال المالي والإداري ولكن أدوارا احتفالية، فهي ما زالت تدار مركزيا كما لو أنها فروع للوزارات، لدرجة أن الإدارة المحلية السعودية بالكاد يمكن تسميتها إدارة محلية فهي فقط حيز مكاني لتنفيذ القرارات المركزية التي كان من المفترض أن تصنع محليا. لذا فالمجالس مسؤولة عن الشأن المحلي مع وقف التنفيذ. وهنا يجب الاعتراف بأن هذا الوضع الغريب للإدارة المحلية بمسميات دون مضمون يسبب مشكلة كبيرة تتمثل في رفع سقف التوقعات والطموحات وفي الوقت ذاته تقف عاجزة عن تحقيق ما يفترض أن تقوم به تجاه المجتمعات المحلية. لذلك هناك ردة فعل سلبية من قبل سكان المحافظات والمناطق تجاه الأداء المتواضع للمجالس بجميع أنواعها ومستوياتها وعلى وجه الخصوص المجالس البلدية المنتخبة، إذ إنه في وضعها التنظيمي الحالي لم ولن تستطيع تلبية متطلبات السكان المحليين ومعالجة مشاكلهم الاقتصادية والاجتماعية.
إن المطلوب في هذه المرحلة من النضج السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي تعيشه السعودية المسارعة في تبني مبادرات وقرارات جريئة إصلاحية شمولية استباقية جذرية وليس مقترحات وتوصيات تطويرية شكلية تمنح إحساسا خادعا بالتغيير، ولكن دون تأثير حقيقي في حياة الناس. من أهم الأمور التي يلزم تناولها بجدية وموضوعية إصلاح نظام الإدارة والمالية العامة وإجراءات وأسلوب عملية صنع القرار العام، إذ إنها لا تتناسب البتة مع الواقع وما يكتنفه من متغيرات ومستجدات وما يتطلبه من سرعة الاستجابة ووضع حلول إبداعية ورؤى مستقبلية. هذا يستلزم الانعتاق من مناقشة المشاكل والقضايا العامة بالأسلوب المعتاد البيروقراطي الرتيب الذي يتم التركيز فيه على الإجراءات الروتينية والمحاضر الرسمية الورقية دون التأثير النهائي. وأخشى أن نقاش مجلس الشورى دار في ذلك الإطار الضيق بدليل التوصيات التي استهدفت التطوير ولم ترتق للإصلاح والغوص في جذور المشكلة.
تتطلب مجالس المناطق والمجالس المحلية والبلدية نظاما ينسق الجهود ويحدد العلاقة فيما بينها من جهة والهيئات المركزية من جهة أخرى، ويوحد مرجعيتها ويوضح المسؤوليات والأدوار والصلاحيات ويوثق الحدود المكانية للوحدة المحلية سواء كانت منطقة أو محافظة أو مدينة ويمنحها الاستقلال الإداري والمالي وتكون مهمتها تشريعية رقابية بصلاحيات نافذة على الأجهزة التنفيذية. وهذا لا يتأتى إلا من خلال إصدار نظام للإدارة المحلية يربط إمارات المناطق بالملك مباشرة ويكون بمثابة إطار عام وشامل لتوزيع المهام بين الهيئات المحلية وتمكينها من القيام بمسؤولياتها العظيمة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي