رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الاختراع الجديد.. الجمارك الفضائية

تعاني الشعوب العربية من حالة انفصال بينها وبين قادتها السياسيين. ليس أدل على ذلك من تفاجؤ الرؤساء العرب من قيام الثورات في بلدانهم التي يسكنونها ويسيطرون على كل مفصل من مفاصلها. يعيش الشعب في عالم، والقادة يعيشون في عالم آخر. لست هنا بصدد الحديث عن الشاليهات أو الشقق أو القصور، وإنما أتكلم عن رئيس يعيش بين الشعب، في نفس المكان ويسير في نفس الشوارع ويصور له أنه في عالم آخر.
يعيش في جنة بفضل مستشاريه، فردوس ترسمه لوحات شعرائه وكتابه، أرض السكينة التي تخلقها تقارير ضباط الأمن والاستخبارات الذين يحرصون على مناصبهم أكثر من حرصهم على منصب قائدهم، ورضا الشعب عنه.
هذه الحالة تتكرر حتى في الدول التي كان قادتها يعانون في السابق، ويسكنون سجون الأنظمة القمعية. خرجوا وظن الناس أنهم سيكونون منهم ولهم لأنهم عاشوا الظلم والقهر وحياة المعتقلات، لاختلاف المعتقد أو اختلاف التوجهات السياسية. نسي هؤلاء دروس الأمس، فابتعدوا عن طموحات وآمال شعوبهم.
تجد أحدهم يبدأ باعتقال معارضيه السياسيين على أساس مذهبي، في محاولة للزج بهم في نفس الزنزانة التي بكى داخلها الليالي الطوال. أسهل التهم المتوفرة حالياً هي الإرهاب، والتفجير، وقتل الأبرياء. ثم ينطلق لتهديد كل مسؤولي الدولة سواء كانوا منتخبين أو معينين، ويبدأ مطاردات لا هوادة فيها، ويضغط على كل الجهات الأمنية والقانونية والقضائية لتحقيق مآربه، رامياً بالحصانة السياسية عرض الحائط في تأجيج واضح للطائفية والكراهية بين أبناء الشعب الواحد.
الغريب هو حدوث هذا الأمر في دولة عانت من الطائفية التي قطعت أوصالها. الطائفية التي تثمر كل يوم تفجيراً ومزيداً من القتلى. يأتي هذا الأمر من مسؤول عاش مطارداً سنين طويلة، ومع ذلك لم يهتم لحال الدولة وما سيؤول إليه أمرها إن تعاون معه بقية المسؤولين لتدمير معارضيه. عندما يتمكن من اصطياد مناوئيه، سيكون هناك محاكمات.
السيناريو المحتمل شبيه إلى حد كبير بسيناريو المحاكمات التي تشهدها الدول الدكتاتورية، أي أنها محاكمة معلومة النهاية، فالمتهم مذنب حتى ولو ثبتت براءته. محاكمات كوميديا سوداء تحاول إعادة الدكتاتورية وضمان بقاء السلطة في يد رجل واحد، أو طائفة واحدة. سيكون هذا سابقة يتم من خلالها تجريم وقتل كل القادة السياسيين من أي طائفة أو مرجعية دينية، وهذا يجعل الطريق مفتوحة أمام الحرب الأهلية.
ينتج عن عمليات التصفيات السادية والشوفينية الفاسدة، ظهور أقلية حاكمة تحتاج إلى دعم من الخارج لتبقى. لأنها غير مدعومة داخلياً، وتعود السجون والمعتقلات للامتلاء بأعداء الثورة!
الدولة المطلوبة هي نسخة من سورية نظام أقلية يحكم بالحديد والنار وينفذ في نفس الوقت أجندة أجنبية تستهدف كل المنطقة العربية. لكن لتتجسد هذه النسخة على أرض الواقع، لا بد أن ينجح النظام في دمشق في قمع انتفاضة الشعب ضده، ولينجح النظام في سورية، لا بد أن يزود بالأسلحة الإيرانية التي تبقيه وتمكنه من القتل، والاستمرار في القتل، والمزيد من القتل حتى لو لم يبق أحد في الأرض.
تزويد النظام السوري بالسلاح لا بد أن يكون عاجلاً وسريعاً، خصوصاً أن الطرق البحرية أصبحت مراقبة وكشف العالم تزويد إيران للنظام بالسلاح عندما فعلها بحراً. أسرع طريقة هي العبور من خلال العراق، لكن العراق خيب ظن هؤلاء المجرمين. فأنشأ إدارة مختصة بالجمارك تقوم بتفتيش الطائرات أثناء الطيران. يؤكد ذلك تصريح رئيس الوزراء العراقي بأنه لم ولن تعبر الأجواء العراقية أي شحنات أسلحة باتجاه سورية، لأننا تأكدنا من ذلك، من خلال الجمارك الفضائية. ونحن نصدق هذه ''الرواية'' – طبعاً!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي