رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


البنك الدولي «الأميركانلي»

''هذا العالم محكوم بمؤسسات ليست ديمقراطية. البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية''.

خوسيه شاراماغو - أديب وشاعر برتغالي

حسناً.. سينتصر الأمريكي جيم يونج كيم، وسيفوز برئاسة البنك الدولي، إلا إذا حدثت مفاجأة (أو معجزة). ''سأُخاطر''، وهذا المقال كُتب قبل يومين من عملية اختيار رئيس لهذه المؤسسة، وأقول: إن مفاجأة لن تحدث. أما لماذا ''المخاطرة''؟ فلأنه أُريد لهذا المنصب أن يكون حكراً على الأمريكيين، بصرف النظر عن أي اعتبارات، على الرغم من وجود آلاف المؤهلين من غير الأمريكيين لهذا المنصب. ومنذ عام 1946 وحتى يومنا هذا، لم يُسمح لأي ''مُناطح'' غير أمركي الوصول إليه. ليس مهماً أصوله، المهم أن يكون ''أميركانلي''، مع الاعتذار للأديب المصري صنع الله إبراهيم، على استعارتي هذه المفردة من عنوان لرواية له.
حسناً مرة أخرى، لتحصل أوروبا على هذا المنصب ولو لمرة واحدة، كي لا أقول إفريقيا أو آسيا أو حتى كندا. لكن مهلاً.. لماذا أوروبا؟ ألم تحتكر هي الأخرى رئاسة صندوق النقد الدولي، منذ العام نفسه 1946؟! بل ألم تُدوره فقط بين بلجيكا والسويد وألمانيا وهولندا وإسبانيا وفرنسا؟! إذن.. بلا غمز من قناة المؤامرة، فالواضح أن الأمريكيين والأوروبيين قسموا ''تركة'' العالم في هذا المجال بعد الحرب العالمية الثانية، دون أن يدونوا هذه القسمة في لوائح اتفاق ''بريتون وودز'' التاريخي، الذي أسس وكرس طبقية اقتصادية عالمية، صمدت نظرياً في وجه الأزمة الاقتصادية العالمية، لكنها وقفت عارية أمامها. نعلم أن للمنتصرين في الحروب (ولا سيما الكبرى منها) مغانمهم، ونعلم أيضاً أن المغانم تُستكمل فور أن تضع الحرب أوزارها، لكن الحرب الكبرى الثانية وفرت مغنانم مستدامة للمنتصرين! في مقدمتها السيطرة الكاملة على ''مطبخ'' صنع القرار الاقتصادي العالمي، بما في ذلك التحكم (أو في أفضل الأحوال التأثير) في موازنات دول ذات سيادة حقيقية لا صورية، والإملاءات الاقتصادية الاجتماعية المعيشية، إضافة طبعاً، إلى إطلاق توقعات حول مستقبل الاقتصاد العالمي، لم تكن كلها صائبة. وفي هذه النقطة بالتحديد، لنتذكر مقدمات الأزمة الاقتصادية العالمية.
كنت من أولئك الذين توقعوا ألا يصر الرئيس الأمريكي باراك أوباما على مرشح أمريكي لرئاسة البنك الدولي، أو على الأقل ألا يقاتل من أجله. ليس شكاً في وطنيته، بل استناداً إلى تحولين يسودان المشهد الاقتصادي العام. الأول.. التحول التاريخي المتواصل (بل المتجدد) الذي أحدثته الأزمة الكبرى، والثاني.. سياسة الإشراك التي اعتمدها أوباما منذ وصوله إلى البيت الأبيض. لكن تباً للانتخابات وروابطها التسويقية، عندما تعطل المبادئ العامة المعلنة والمستترة. وأحسب أنها السبب الرئيس في إصرار الرئيس، فيما لو اتفقنا على حسن نواياه في سياسة الإشراك التي لم يفرضها أحد عليه، بل أطلقها وارتضاها لنفسه، هذا إلى جانب تعطيل الانتخابات القسري لجانب من استحقاقات الأزمة، التي تحتم على المنتصرين في تلك الحرب اللعينة، تغييراً جذرياً لسلوكياتهم الاقتصادية، بما في ذلك تخفيف سيطرتهم على المؤسسات الاقتصادية الأممية.
الأسئلة في هذا المجال كثيرة. لماذا لا يُترك المجال أمام وزيرة المالية النيجيرية نغوزي إيوالا، التي عملت ما يزيد على ربع قرن في البنك الدولي؟ لماذا تم الضغط على الاقتصادي الكولومبي خوسيه أوكامبو لسحب ترشيحه؟ لنعتبر أن هذين المرشحين ليسا مؤهلين لقيادة هذا البنك. لماذا لا تُمنح الفرصة لأي مرشح من الدول غير الكبرى في مجموعة العشرين التي تسلمت زمام المبادرة على الساحة العالمية في أعقاب الأزمة؟ لماذا لا تتفق الولايات المتحدة وأوروبا - مثلاً - على تدوير منصب رئيس صندوق الدولي بينهما، وترك المجال أمام مرشحي دول أخرى في البنك الدولي؟ لماذا لا يكون العكس، أي تدوير منصب رئيس البنك بينهما، وترك منصب رئيس الصندوق للآخرين؟
ربما يظهر من يقول، إن الأمر لا يتم اختياراً، بل من خلال انتخابات داخل البنك. لنلق نظرة على عملية الانتخاب. سيتم تعيين ''المرشح'' الأمريكي في مجلس المديرين بالتوافق، مدعوماً من ممثلي الولايات المتحدة وكندا واليابان، قبل أن يحصل على موافقة مَنْ؟ الأوروبيين. حسناَ.. تمثل هذه الكتلة مجتمعة قرابة 60 في المائة من الأصوات، أي أن كرسي جيم يونج كيم (وهو شخص غير متخصص في الاقتصاد، مع الاعتراف بنجاحاته في مواقع مختلفة) مضمون.. مضمون.. مضمون. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل وقف الأوروبيون في السابق بصورة معطلة في وجه ''المرشح'' الأمريكي؟! بل هل يجرأون على ذلك؟ هل سينسون ''غض الطرف الأمريكي'' على استحواذهم على قيادة صندوق النقد الدولي؟ على هذا الأساس، تجرأتُ بالإعلان عن قناعتي بأن كيم سيكون رئيس البنك الدولي الجديد، قبل أن تجري هذه العملية الانتخابية الغريبة. وعلى هذه الأرضية يمكن القول ببساطة، إن المنافسة على رئاسة هذا البنك، لا تعتمد (ولم تعتمد) على مؤهلات وكفاءات وتاريخ المرشحين، بل تستند بكل المقاييس إلى المعايير السياسية.
هل يحتاج الأمر إلى تسيير مظاهرات ترفع شعاراً مشابهاً للذي يرفع في بعض الدول العربية ''الشعب يريد إسقاط النظام''، ليكون ''العالم يريد تغيير نظام انتخاب رئيس البنك''؟

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي