العمالة.. البطالة وتحويل الأموال

في تصريح لوزير العمل عادل فقيه، ذكر أن العمالة في المملكة بلغت الآن ثمانية ملايين، منها ستة ملايين في القطاع الخاص، وهذا يعني أن مليونين في القطاع الحكومي، طالما أنه سكت ولم يذكر أين مواقع العمل للمليونين.. ومثل هذا الرقم مخيف جدا لاعتبارات عدة، أولها الاعتبار الاقتصادي، وكما ذكر الوزير، فهذه العمالة الوافدة تحول ما مقداره 98 مليار ريال سنويا. ولا أعتقد أن أحدا يجادل في هذا المبلغ الذي يستنزف من الاقتصاد الوطني سنويا، في حين أن هناك من السعوديين من يبحث عن فرصة عمل ولو براتب ضئيل يكفيه ولو لسد جزء من أساسيات الحياة، وإن لم يكن كلها.
الوزير قارن بين نسب البطالة، حيث بلغت في السعودية 10.5 في المائة، في حين بلغت في بريطانيا 8.3 في المائة، وفي فرنسا 11.7 في المائة. أما الأردن فبلغت 11.9 في المائة، في حين بلغت في الإمارات 12.7 في المائة.
هذه الأرقام بشأن العمالة الوافدة ونسبة البطالة في المملكة، ومقارنة مع غيرها من الدول تستوجب التوقف عندها لمعرفة أسبابها والحلول الممكنة لها. هل يمكن للسعوديين أن يحلوا محل العمالة الوافدة؟ الجواب نعم ولا في الوقت ذاته. نعم من حيث المبدأ، ومن حيث أن يكون هذا هدفا نسعى إليه جميعا، لكن لا بد من الاعتراف بأن بعض المهن تتطلب مهارات وخبرة من نوع معين، كالمحاسبة مثلا، أو التسويق، أو العمل في المطاعم، أو الفنادق، لذا لا بد من تدريب الراغبين في هذه المجالات، وإعدادهم ليحلوا محل الوافدين في هذه المهن وغيرها، وذلك لأن كثيرا من الوظائف في هذه المجالات تتبع القطاع الخاص، والقطاع الخاص يبحث عن الربح ولا يرضى بالخسارة، وهذا ما يفترض أن يحدث.
في الوقت ذاته توجد مهن قد لا تحتاج إلى مهارات من نوع خاص كعمالة الترحيل، والتنزيل، والترتيب، والتنظيم في الأسواق، لكن هل نضج المجتمع بما فيه الكفاية ليقوم نفر من أبنائه بهذه المهن؟!
في ظني أن هناك شيئا من التردد في قبول هذه المهن، بسبب حسابات يضعها البعض في ذهنه، ألا وهي النظرة الاجتماعية التي ما تزال تمثل عائقا في هذا الأمر.
المشاريع الصغيرة والمتوسطة كالبقالات، أو الورش، هذه من الأعمال المدرة والمربحة، لكنها تحتاج إلى دعم مالي لكي يتمكن الشباب من الانخراط فيها، إذ لا يمكن توقع شاب في بداية الحياة أن يكون لديه المبلغ المالي الذي يكفي للبدء في مثل هذه المشاريع، ولعل وزارة العمل ومن خلال برنامج ''حافز''، وبالتعاون مع جهات حكومية وأخرى خاصة، يمكن أن توجد صندوقا لدعم هذه المشاريع التي تعين الراغبين في مثل هذه المشاريع، ومع وجود بعضها، إلا أنها لا تفي لمواجهة الوضع الراهن الذي تمتلئ فيه البلاد بهذه الأعداد الغفيرة من العمالة، حتى لا نجد أنفسنا أمام بطالة مؤرقة ومزعجة، والتي هي الآن في حالة سكون.
مجالات العمل كثيرة، ولعل مبيعات التجزئة من أكثر المجالات التي تمتلئ بالعمالة الوافدة، في حين أنها لا تتطلب تدريبا طويلا، إذ ربما أن التدريب لأيام، أو أسابيع على شكل ورش عمل قد يكون كافيا لإحلال الشباب السعودي محل الكثير من العمالة الوافدة في هذا المجال.
ما من شك أن هناك أعمالا كثيرة توجد في الميدان، لكن الشاق منها، كأعمال البناء، والطرق، وأعمال البنية التحتية قد لا تكون جاذبة في هذه المرحلة، لذا لا بد من الانطلاق في تأهيل الراغبين في العمل فيما يمكن تدريبهم عليه، وفيما لهم رغبة فيه، إذ لا يمكن ترك الوضع يتراكم بهذه الصورة المخيفة، خاصة أن رقم الثمانية ملايين لا يتضمن غير المقيدين بصورة رسمية مثل المتخلفين بعد الحج والعمرة، وكذلك المتسللين. أدرك أن إعادة التأهيل والإحلال عمل شاق، لكن رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة.
إن إدراكنا واقعنا وتشخيصه بالصورة الصحيحة، سواء في حجم العمالة، أو ميول الشباب ورغباته وتأهيله، وكذلك الاتجاهات الاجتماعية الإيجابية والسلبية، كلها عوامل مهمة إذا أردنا أن نغير معادلة سوق العمل المحلية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي