دعم المنشآت الصغيرة لا يخفض البطالة
كثرت الأحاديث في الآونة الأخيرة عن دعم ورعاية المنشآت الصغيرة والمتوسطة. من آخرها، محاضرة مساء هذا اليوم من تنظيم مركز تنمية المنشآت الصغيرة والمتوسطة في غرفة تجارة الرياض بالتعاون مع مفوضية الصناعة والتجارة الألمانية بعنوان ''الدعم الألماني للمنشآت الصغيرة والمتوسطة''.
لماذا تهتم الدول بدعم تلك المنشآت؟ هناك عدة مبررات، يقف على رأسها كون تلك المنشآت توظف نسبة كبيرة من اليد العاملة، بل ربما كانت الموظف الأكبر.
السؤال التالي: هل دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة يخدم ذلك الهدف، أعني أنه يعمل على توطين العمل وخفض البطالة في بلادنا؟
من المؤسف القول إن هدف التوظيف لن يتحقق في ظل أنظمة الإقامة والكفالة الحالية. المنشآت الصغيرة، تحت الظروف الحالية في العمل والتوظيف في القطاع الخاص، تصنع وظائف لغير المواطنين أكثر من كونها تصنع وظائف للمواطنين. بعبارة أخرى، تلك المؤسسات هي الموظف الأكبر لليد العاملة الوافدة، ولن ينجح الدعم في تغيير هذه الصورة مع بقاء نظام الإقامة كما هو.
ماذا يعني ذلك؟ يعني أن الدعم تحول ومن غير قصد طبعا من الداعمين وبعض المدعومين إلى أداة لصنع وظائف إضافية لغير المواطنين.
من المهم جدا أن أبعد سوء فهم وسوء ظن. لا أقصد بتاتا التهوين من أهمية دعم المؤسسات الصغيرة، بل على العكس أطالب بدعمها بكل أشكال الدعم بغرض الحصول على عصفورين بحجر واحد: نفع أصحابها، وتوطين الوظائف. لكننا لن نحصل على ذلك في ظل أنظمة الإقامة والكفالة والاستقدام. لا بد من ثمن باهظ ندفعه مقابل النجاح في التوطين. وإلا فإنه دعم فاشل، تأثيره على التوظيف مثل حالة الذي يصب الماء في قربة مخروقة. عليه أن يصلح الثقب أولا، قبل الصب.
مشكلة تدني نسبة المواطنين في القطاع الخاص، وخاصة منشآته الصغيرة، معروفة.
عندما يتكلم أحدنا عن فتح مشروع صغير، فالتفكير يذهب عادة وبصورة تلقائية في أحد اتجاهين: الأول توظيف غير مواطنين لأداء كل أو جل الأعمال التنفيذية تحت إشرافه وإدارته. والاتجاه الثاني الحصول على ترخيص لمحل من المحال التي تملأ شوارعنا وأسواقنا، مع تسليم إدارة وتشغيل المحل إلى غير مواطنين مقابل عمولة أو مبلغ ثابت دوريا (ما يسمى بالتستر).
تشغيل موظفين بتكلفة لا تعكس التكلفة أو مستوى المعيشة داخل المجتمع، يعني صناعة وضع يختل فيه التكافؤ بين العرض والطلب المحليين أي بين المشترين والبائعين داخل المجتمع (الدولة)، وهذا يعد إخلالا بالظروف العادية التي تمارس فيها حرية السوق، ضمن مستوى المعيشة السائد في دولة هذا السوق.
من مصادر عدم التكافؤ بين العرض والطلب عندنا كون عرض اليد العاملة لا يمثل إمكانات (قدرات) المجتمع الذاتية في العرض، والسبب في ذلك جلب يد عاملة رخيصة تكلفتها أقل مما ينبغي أن يعكسه مستوى الدخل والثراء في الدولة.
من أولى الحلول التشديد في شروط من يمنح التأشيرة والإقامة، ووضع حد أقصى لعدد تأشيرات الاستقدام الصادرة سنويا يقل كثيرا عن عدد التأشيرات الصادرة خلال السنوات الماضية. لكن هذا الحل مع بقاء نظام الكفالة كما هو يجلب مشكلات كبيرة، ويصنع أوضاعا تتسم بظلم بعض المؤسسات، لأسباب لا تخفى على القارئ. سيزيد الفساد، وسيجبر بعض الناس على الانتظار الذي قد يطول إلى سنوات كثيرة، بينما آخرون لن يصيبهم ذلك.
ما الحل لإتاحة الفرصة لآلية سوق العمل لأن تعمل بصورة أفضل، دون إخلال بانتقاء اليد العاملة وتحديد عدد التأشيرات السنوية؟ لا بد من تعديل نظام الإقامة تعديلا جوهريا. إلغاء الكفالة الخاصة على المدى البعيد حل مثالي. وهناك حلول وقتية. مثلا، السماح بنقل الكفالة بدون رضا صاحب العمل، بعد خدمة سنتين مثلا. هذا يعني أن عملية التوظيف ستتركز، على الانتقال والإحلال داخل البلاد، وفقا لآلية السوق، وليس على توظيف غير مواطنين جدد على البلاد.
مطلوب دعم المنشآت الصغيرة، ولكن هذا الدعم لن يدفعها إلى توظيف المواطنين في ظل نظام الإقامة أو الكفالة الحالي. توظيف الدعم لتوظيف المواطنين يتطلب من الجهات المسؤولة عن الاستقدام تعديل نظام الإقامة بما يقلل من التكلفة الصريحة والتكلفة الضمنية على أصحاب المنشآت الصغيرة من جراء عملهم بأنفسهم في منشآتهم، و/أو توظيف مواطنين.