تقنين الأسعار وتوفير الدواء متلازمان
قبل عشرين سنة تقريباً دخل مواطن على مدير أحد المستشفيات وطلب منه الموافقة على استرداد كمية من الأدوية والمواد الطبية التي كان والده يستخدمها بسبب معاناته عدة أمراض أثناء حياته ''ليستفيد منها الآخرون''. طلب منه المدير أن يتركها لدى مدير مكتبه إلا أنه ذكر أن الكمية كبيرة، وهي في السيارة الواقفة خارج المبنى. دهش المدير عندما شاهد أن الكمية تملأ حوض سيارة من نوع نيسان. كان الناس يستطيعون الحصول على ما يريدون من الأدوية ومن دون رقابة أو تحديد للكميات.
قبل أسبوع طلب مني شخص لا يتجاوز دخله خمسة آلاف ريال، ويعول عائلة يبلغ عدد أفرادها الثمانية أن أعينه في الحصول على دواء يحتاج إليه لموازنة ضغط الكلى بسبب استخدامه الأنسولين وتبلغ تكلفته نحو 200 ريال. وصدق أو لا تصدق، الدواء لم يكن متوافراً في صيدليات ثلاثة مستشفيات أعرف أشخاصاً يعملون فيها، ولا تزال الوصفة معي للأسف. هذا الدواء والكثير من الأدوية التي تعالج الأمراض المزمنة أصبح الطلب عليها عالياً لدرجة أن الصيدلي يعتذر منك بمجرد رؤية الوصفة.
أين توجد هذه الأدوية؟ كيف تختفي بهذه السرعة؟ ومن الذين يحصلون عليها؟
أذكر في هذا المقام أن إحدى الجهات الحكومية التي توفر الخدمة العلاجية لمنسوبيها تعاقدت مع مجموعة من الأساتذة الأجانب. استغل أحد هؤلاء معرفته وانعدام التنظيم المحكم في الحصول على مجموعة من الأدوية التي كان سعرها عالياً في دولته. يقوم المتعاقد بزيارة المستشفى هو وزوجته وابنته ويقدمون للأطباء أعراض أمراض تعالجها أدوية معينة. يقوم الطبيب بإعطاء الوصفة المطلوبة وتصرف من الصيدلية. استمر الحال لمدة تجاوزت ستة أشهر. لم يكشف الملعوب إلا بعد أن نفد مخزون دواء كان مراقباً من الصيدلية. بعد البحث اكتشف المسؤولون أن الرجل حصل على أدوية تعادل قيمتها رواتب خدمته في القطاع لعشرين سنة خلال هذه الأشهر، تمت معاقبته بإنهاء عقده وتسفيره لبلده كالعادة!
ثلاث حالات تدل على أن هناك حاجة إلى إعادة النظر في أمرين مهمين:
الأول: توفير الأدوية بالكمية الكافية.
الآخر: التأكد من وصولها لمستحقيها فقط.
هناك صعوبات في الحصول على الأدوية التي تخص الأمراض السارية كالسكري والضغط وأمراض الكلى والكبد والقلب والرئتين والروماتيزم وأمراض الشيخوخة وغيرها، ويوجد أشخاص يحتاجون إلى أدوية تتجاوز قيمتها الألف ريال شهرياً.
يتجاوز إنفاق الدولة على الدواء خمسة مليارات ريال في قطاعات الخدمات الصحية المختلفة. وزارة الصحة هي الجهاز التنفيذي الذي يجب أن يكون مسؤولاً عن ضمان توافر العلاج بالتنسيق مع الجهات الحكومية الأخرى لجميع مستحقيه، خصوصاً فئتي كبار السن وذوي الدخل المحدود. توافر هذه الأدوية في الصيدليات ووجود وسائل لضمان وصولها لمستحقيها بالدرجة الأولى هو المسؤولية التي يجب أن تبنى عليها خطط الضمان الصحي والعلاجي.
توجد تنظيمات عديدة في دول العالم لمثل هذه الخدمات، فعلى سبيل المثال، يوجد في الولايات المتحدة نظامان صحيان هما الميدكير Medicare والميديكيد Medicaid. هذان البرنامجان هما أساس الحماية الصحية للمواطن الأمريكي. الأول يتعامل مع تكاليف المستشفيات للمواطنين الذين تتجاوز أعمارهم الخامسة والستين والمرضى ذوي المشكلات الصحية الدائمة ومرضى الفشل الكلوي ممن هم تحت سن الخامسة والستين.
البرنامج الآخر يقدم الخدمات الصحية لذوي الدخل المحدود، وهو برنامج يضمن حصول جميع المواطنين على العلاج المناسب بغض النظر عن مستوى دخلهم.
المهم بالنسبة لمقالي هذا هو الجزء ''د'' من النظامين. في هذا الجزء يحصل جميع المستحقين للميديكير والميديكيد على الأدوية من دون مقابل. كما يدفع غير المستحقين مبالغ تعتمد على مستوى الدخل وتكلفة الأدوية. عندما يصل المبلغ الذي يدفعه المواطن مستوى يسمى ''مبلغ كارثي'' تقوم الدولة بسداد فواتير الأدوية. يدفع المواطن غير المغطى في النظامين مبلغا لا يتجاوز 1200 ريال في العام على نفقات الأدوية.
تطبق السويد نظاما آخر، فعندما يتجاوز ما يدفعه المواطن مبلغا يعادل ألف ريال في السنة، يصبح كل دواء مجانيا. كما تدفع الدولة تكاليف المستشفيات وعيادات الأطباء التي تتجاوز ما يعادل 390 ريالا في السنة . ترتبط جميع الصيدليات العامة والخاصة بنظام حاسب آلي يحتوي على معلومات جميع المواطنين والأدوية التي يستخدمونها وأوقات الصرف والكميات المصروفة والمستحقة.
في فرنسا تدفع الحكومة تكاليف الأدوية المصروفة لعلاج الأمراض المزمنة أو المستعصية بالكامل من خلال نظام تعويض لكل المبالغ التي يصرفها المواطن.
توجهت الهيئة العامة للغذاء والدواء نحو مراقبة وتقنين أسعار الأدوية، وهي خطوة إيجابية لحماية محتاجي الأدوية، إلا أن توفير الدواء لمحتاجيه مهمة أساسية للدولة، بغض النظر عن السعر، سواء كانت لأمراض مستعصية أو مزمنة. يتم هذا من خلال صرف بطاقة هوية تضم معلومات متكاملة عن الحالة الصحية للمستفيد، والأدوية التي يحتاج إليها. يستطيع المواطن أن يصرف علاجه من أي مكان في المملكة سواء من الصيدليات الحكومية أو الخاصة وتقوم الوزارة بسداد الاستحقاق ما دام المريض يحصل على الوصفة بالكمية والوقت المحددين في بطاقته العلاجية.
يستدعي هذا التنظيم إيجاد آليات توفر الضمانات والمراقبة وتحقق الدقة والعدالة. في المحصلة النهائية يجب أن نضمن وصول الدواء لمن يحتاج إليه في الوقت الذي يحتاج إليه دون مقابل وبلا واسطة أو وقوف في صفوف طويلة.