إدارة أزمة الخدمات
تحمل الصحف أخبار معاناة مواطن في مستشفى أو جامعة أو مركز تأهيل أو قسم شرطة أو أي جهة خدمية أخرى. تتطور القضية لنكتشف أن الحادثة لم تكن عرضية أو نتيجة موقف معين، إنما كانت محصلة فساد إداري أو مالي أو إهمال أو عدم إحساس بمعاناة الناس وأهمية هذه الجهة وما تقدمه من خدمة، وأنها حالة أصبحت بحكم العادة أو أسلوب عمل في الجهة.
يقع المسؤول في حرج عندما تصبح إحدى الجهات التي ترتبط به تحت بصر وملء سمع الإعلام. يعلم المسؤول كيف يعالج القضية، لكنه يخاف أن يتخذ أي إجراء لأن الناس سيعتقدون أن التصرف كان نتيجة تناول الإعلام للقضية، فيلجأ إلى الهروب، فيما يعرف في علم النفس بـ ''الإنكار''، فيدافع عن جهته بشراسة، أو يلتزم الصمت كسلوك سلبي يهدف إلى تمرير الوقت حتى تهدأ القضية وينساها الناس، وهو أسلوب تعتمده الكثير من الجهات. أذكر أن جهة بقيت مدة ثلاثة أشهر تتجاهل وجود صورة مخالفة نشرتها صحيفة ''عكاظ'' في فقرة ''حتى تختفي''، وبعد ثلاثة أشهر ربطت إصلاح الوضع بأعمال مطلوبة من شركة لا علاقة لها بالموضوع، باعتبار أن حل المشكلة هو في واقع الأمر جزء من الخطة العامة للوزارة. فلماذا الخوف؟
يأتي الخوف بسبب توقع المسؤول أن تصبح هذه وسيلة يستخدمها الجميع لتحقيق التغيير المطلوب. تخيلوا أن نكتشف خطأ طبيا في منشأة أو إداريا يعتبر في عرف المنشأة أمرا معتادا تنشره وسائل الإعلام فتقيل الوزارة مدير المستشفى أو مدير الشؤون الصحية في المنطقة. سيقوم كل المواطنين بالتوجه للإعلام لكشف كل شيء يحدث في المستشفى. التنافس سيشتد لفضح السلوكيات غير المهنية، في الواقع قد تصبح عندنا صحافة تخصصها مراقبة المستشفى، والإبلاغ عما يحدث فيه كل يوم، هذا يجعل الصحافة سلطة رابعة فعلا!
يستخدم الهروب - غالبا - بسبب عدم التخصص، فأنت تجد المسؤول عن إدارة القطاع الصحي طبيبا ذا خبرة وتميز في مجال الطب لكنه لم يتعلم ''ألف باء'' الإدارة، ومسؤول آخر في الخدمات البلدية تخصص في الهندسة وخبير فيها، لكنه لا يعرف الفرق بين الموارد البشرية وشؤون الموظفين والشؤون الإدارية، وينطبق الحال على مسؤولين في التربية والشرطة والخدمات العامة الأخرى.
لكن الهروب ليس الوسيلة الصحيحة لمواجهة السلبيات أو إصلاح الأخطاء، كما أن الاعتقاد بوجود حصانة للجهات الحكومية غير صحيح، يضاف إلى هذا أن المسؤول لا بد أن يعلم أن نجاح إدارته لشؤون الجهة التي يترأسها يعتمد على المواجهة.
مواجهة المشكلات والأخطاء واجب تستدعيها المسؤولية الوطنية بالدرجة الأولى، والقسم الذي أداه هذا المسؤول عند توليه المنصب. وكون المواطن هو الهدف الحقيقي والأهم لوجود كل المنظمات والهيئات والوزارات الحكومية، هذه المواجهة تستلزم أن يتعرف كل مسؤول على مفاهيم إدارة الأزمة وأن تطبق في كل الجهات التي تتحمل مسؤولية الخدمة العامة.
توجد إدارة الأزمة فريقاً ينفذ عمليات الرقابة والمتابعة المستمرة للأداء، ومحاسبة المخالفين فور حدوث المشكلة، بل في حالات مثالية يمكن التنبؤ بالمشكلة وإيجاد الحلول قبل حدوثها باستخدام المؤشرات والنماذج العلمية التي تقيس الأداء وتدفع المنظومة للتميز بشكل عام. فإن حدثت المشكلة لا بد من مواجهتها وهي في بدايتها قبل أن تتضخم وتتحول إلى كرة ثلج، لأن الإنكار لا يحل المشكلات.
إيجاد فريق الأزمة ضروري لكل جهة سواء كانت عامة أو خاصة، إلا أنها أكثر أهمية في الجهات التي تخدم المواطن، لسهولة إيجاد وسائل التوقع وإمكانية قياس كفاءة تقديم الخدمة بشكل عادل وفوري ومتميز.