توجيهات الملك للسفراء.. وقيود الأنظمة المالية!
يؤكد ويشدد الملك عبد الله بن عبد العزيز، عند مقابلته سفراء المملكة المعينين في الدول الأخرى، على أن خدمة المواطن تأتي في المقام الأول لدرجة أن قال (إن ذلك من ذمتي إلى ذمتكم)، ومن الملاحظ أن تحسناً قد طرأ على خدمات السفارات للمواطنين.. وأن أبواب السفراء قد فُتحت.. إلا ما ندر!
ويأتي هذا التحسُّن بعد التوجيهات المتكرّرة والمعلنة.. وبعد أن أصبحت معايير اختيار السفراء تطبق بطريقة أفضل.. حيث رأينا الوجوه الشابة والمؤهلة بدل المحالين على التقاعد من مدنيين وعسكريين.. بل لقد أصبح الحس الثقافي والاقتصادي أحد معايير اختيار السفراء لبلد يفخر بتراثه الحضاري والثقافي وبثقله الاقتصادي عالمياً.. ولولا خشيتي أن أذكر البعض وأترك آخرين لسردت بعض الأسماء والأمثلة لسفراء نعتز بهم، سواء من المعينين حديثاً أو القدامى، الذين أقاموا المنتديات الثقافية والأمسيات الشعرية واللقاءات الاقتصادية.. وأهم من ذلك فتحوا الأبواب التي كانت مغلقة أمام المواطن الباحث عن كلمة طيبة واستقبال حسن في بلاد الغربة!
ولعل ما يقف حائلاً أمام قيام السفراء بتنفيذ التوجيهات السامية للدفاع عن المواطن وخدمته هو تلك القيود المالية البالية كنظام المناقصات الباحث عن أقل الأسعار.. فالمحامي، الذي سيتم التعاقد معه على هذا الأساس لن يكون الأفضل.. وسيعطي السفارة خدمة "على قدر ما يُدفع له" وتقاس على ذلك بقية الخدمات المهنية التي يتعارف الجميع على عدم إخضاعها لنظام المناقصات الموضوع بطريقة روتينية.. جعلت السفير الدكتور غازي القصيبي ـــ يرحمه الله ــــ يشتكي منه.. في قصيدة إخوانية بعثها إلى المسؤول المالي في وزارة الخارجية قائلا له:
أقـسـمـت ألا تـرى مـنـي مـعاملة إلا وكفنتها في أبيض اللحف
فـوراً تـرجـعـها فـيـهـا مـلاحـظـة يا قوم أخطأتم في اللام والألف
يا قومنا واحذروا أن تشتروا طبـقاً بلا مناقصة.. من أتحف التحف
ولعل قيود النظام المالي للسفارات، الذي يجب أن يكون مرناً ومختلفاً هو الذي جعل معظم سفاراتنا في مقار قديمة لم ترمم أو تجدد منذ سنوات.. وهي بذلك لا تليق ببلادنا، التي تمتلك الإمكانات المالية العالية.. وتبرز الملاحظة بشكل أكبر، حينما تكون سفاراتنا في بعض الدول بجوار سفارات لدولة محدودة الإمكانات كإحدى جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، فإذا هي في مقر أكبر وأفضل ومحاطة بالحدائق من كل جانب!
ويضاف إلى ذلك أن معظم دول العالم تهتم بأن يكون سكن السفير وكبار موظفي السفارة في نطاق مقر السفارة، ولكن بعض سفرائنا تقع منازلهم المستأجرة بعيدة عن السفارة، وحتى لو وجدت الأرض المخصّصة لبناء سكن للسفير بجوار السفارة، فإن الاعتمادات المالية لا تتوافر على مدى سنوات رغم الطفرة المالية التي تعيشها بلادنا.
وأخيراً: أنا لا أقول أن مظهر مباني السفارة ومساكن السفراء أهم من اختيار العناصر الجيدة للعمل في السفارة، حيث تقدم الخدمات على أفضل وجه، لكن القيود المالية قد تؤثر في مستوى الخدمات، والمؤمل إعادة النظر فيها بما يحقق الأهداف المنشودة.