صخب الخرفان .. وأسعار اللحوم
اللحوم الحمراء خطر كبير على صحة الإنسان. هذا أمر لا يختلف عليه اثنان، إلا أن الشعب السعودي يستمر في استهلاك كميات كبيرة من هذه اللحوم، بل إن التغيرات الاجتماعية والسلوكية الكبيرة التي سيطرت على المجتمع خلال السنوات الماضية طالت كل شيء ما عدا ''المفطح''. ذلك العنصر الذي يتناسب حجمه وكمية الشحوم فيه طردياً مع الانطباع الإيجابي لدى الحضور. يستمر الجميع في الحديث عن خطر اللحوم الحمراء، لكنها تسيطر على الموائد سواء كانت لأهل البيت أم لضيوفهم.
تتحاشى الجمعيات الأهلية المسؤولة عن توعية المجتمع الدخول أو معالجة هذه القضية، تعتمد الجهات التربوية والتعليمية كالمدارس والجامعات النظريات نفسها الخاصة بأحجام الخرفان في موائدها وحفلاتها. والأدهى أن الجهات الصحية واقعة في الشرك نفسه، ليبقى السلوك السلبي مستمراً، بل ينتشر، ويبقى المواطن ضحية الرغبة في الظهور بمظهر المضيف الكريم. تخيلوا لو تبنت هذه الجهات محاربة ''المفطح'' أو صدر أمر من الديوان الملكي بمنع تقديم المفطحات على موائد الحفلات الرسمية، كيف سيكون صدى ذلك؟
استغل تجار المواشي هذه الظاهرة ودأبوا على رفع الأسعار، بعذر ومن دون عذر. ففي الماضي كان السعر يرتفع قرب موسم الأضاحي والإجازات المدرسية بسبب حفلات الزواج. أما اليوم فارتفاع الأسعار أصبح جنونياً ومستمراً بسبب وبدون سبب. فمن كان يتوقع أن يتجاوز سعر الخروف الألف ريال قبل عشر سنوات؟ اليوم تجاوز السعر ضعف ذلك، والزيادة مستمرة.
لاحظت خلال الفترة الماضية أن هناك تقاذفا لقضية تسعير لحوم الضأن بين وزارتي الزراعة والتجارة. الكل يتبرأ من ظاهرة ارتفاع الأسعار ويرمي بها الآخر، فوزارة الزراعة ترى أن السوق مكتفية وأن الكميات متوافرة بشكل لا يستدعي استمرار ارتفاع الأسعار''، كما عملت الوزارة على تسهيل إجراءات الاستيراد لتعويض النقص الحاصل في الخرفان المستوردة من سورية''. تصريح آخر يؤكد أن الوزارة تعمل، لكن أين آثار هذا العمل، سؤال أجاب عنه المسؤول في وزارة الزراعة بقوله: ''لسنا مسؤولين عن الأسعار داخل السوق فهذه مسؤولية وزارة التجارة''.
يصرح بعد ذلك مسؤول في وزارة التجارة ليؤكد أن السوق مستقرة وأن الارتفاعات طبيعية في ظل نسبة التضخم والمقارنة بالأسعار العالمية، وتأثير بورصة لندن على النايكي. حديث طويل ممل لكنه لا يعطي القارئ أي أمل في تدخل فعلي لتقنين الأسعار، وإيقاف هذا التسلق المستمر للأعلى. لم يتحدث مندوب الوزارة عن ضرورة تغيير العادات الغذائية لدى المجتمع لأنه يتذكر أثر التصريح المشهور بهذا الخصوص، عندما ارتفعت أسعار الأرز. نعم هناك ضحايا '' للرز''، ولم يكن المسؤول مستعداً ليكون ''ضحية الخرفان''.
أعتقد أن علينا كمواطنين أن نخفف - فعلاً - من استهلاك اللحوم الحمراء لخطرها الصحي وخطرها الاقتصادي. كما يجب أن نعمل على نشر ثقافة الاستغناء عن اللحوم الحمراء. هناك الكثير من العائلات التي أصبحت تستخدم أنماطا استهلاكية صحية كتحديد يوم أو يومين في الأسبوع للأسماك، وأنا أقترح أن نحدد يوم أو يومين للأكل النباتي الذي يحافظ على الصحة والنقود في الوقت نفسه.
الجهات المسؤولة في وزارة التجارة وأمانات وبلديات المناطق والمدن لها دور أيضاً. علينا أن نتعامل مع اللحوم باعتبارها سلعة استراتيجية، فقد ثبتت التجارة سعر الأسمنت وثبتت الزراعة سعر الشعير، فلنثبت سعر الخروف، يجب أن يحدد السعر بالكيلو جرام في سوق الأغنام الحية. ويلزم جميع الباعة به، نعم هو قتل لسوق المنافسة لكنه على قاعدة ''مجبر أخاك لا بطل''. لأن عدم السيطرة على السعر في السوق ستؤدي إلى خروف بخمسة آلاف ريال قريباً.