الكليات الشرعية .. والمواءمة مع سوق العمل
في حديث شائق لوزير التعليم العالي في الندوة التي عقدت بمناسبة احتفالية الجامعة بمرور 50 عاما على إنشائها، وذلك في يوم الثلاثاء 11 جمادى الأولى لعام 1433هـ، الذي تناول فيه تاريخ التعليم العالي في المملكة، حيث إننا في هذه المرحلة التي نشهد فيها اهتماما كبيرا بالتعليم العالي، نجد أن اللبنة الأولى لأول منشأة للتعليم العالي كانت كلية الشريعة التي نشأت في نهاية العقد السادس الهجري من القرن الماضي، وذلك لتطوير طريقة تقديم العلم الشرعي لطلاب العلم بمنهجية علمية حديثة، حيث كان أولوية في ذلك الوقت لتخريج القضاة، وكثير من رجالات العلم الشرعي الذين تميزت بهم المملكة اليوم.
في هذه الفترة التي مرت على ذلك التاريخ، التي تتجاوز اليوم التعليم العالي أكثر من 60 عاما نجد أن المملكة اليوم أصبحت مرجعا في العلم الشرعي، وخريجوها من العلماء البارزين في المملكة والعالم، خصوصا مع وجود الجامعة الإسلامية التي بنيت بهدف استقطاب راغبي العلم الشرعي المتميزين من مختلف دول العالم، وتخرج مجموعة منهم يعودون إلى بلادهم ليتولوا مهام في الدعوة والإفتاء.
هذه المرحلة السابقة لا شك أن حققت فيها الكليات الشرعية إنجازات كبيرة على مستوى تخريج العلماء والمعلمين والمفتين والقضاء وكثير من أبرز الموظفين في مختلف القطاعات الحكومية والخاصة، ويبقى أن هذه الكليات عليها مسؤولية كبيرة في تلبية الاحتياج للمجتمع، خصوصا أن المملكة منذ تأسيسها وهي تلتزم بالحكم بالشريعة الإسلامية ودستورها القرآن والسنة.
التطوير والتحسين والتعاطي مع المتغيرات بكل صورها أمر مهم، وعرف علمي وأكاديمي، بل إننا نجد هذا واضحا في تاريخ تطور العلم الشرعي. فنحن نعلم أنه لم يكن يكتب في عصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - شيء يذكر من العلم، مقارنة بما هو موجود اليوم، بل كان المعول غالبا على الحفظ من قبل أصحابه - صلى الله عليه وسلم- ثم تطور الأمر إلى سلسلة من العلوم التي أصبحت أساسا اليوم لكل من يطلب العلم الشرعي، مثل علم الحديث والفقه والتفسير وأصول الفقه والقواعد الفقهية ومقاصد الشريعة وغيرها من العلوم، هذه العلوم لم تنشأ في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا في العصور الأولى، لكن مع الوقت وضع العلماء أطرا لهذه العلوم، بغرض تسهيل فهم الشريعة، وأن يسهل الأمر فهم المستجدات وقياسها على أصول الأحكام الشرعية.
في هذه الفترة نجد تطورا كبيرا على المستوى العلمي، وتغيرات ومستجدات كثيرة على مختلف المستويات، وهذه المتغيرات تتطلب من المتخصصين أن يتعاملوا معها بشكل يستوعبها، ويعطي آراء مناسبة تتناسب مع مرونة الشريعة الإسلامية وتعاطيها مع المتغيرات بصورة لا تشكل تضييقا على حياة الناس، ومن هنا نجد اليوم متغيرات في جانب شكل الدولة الحديثة، وشكل النظام القضائي، وصورا متعددة من القضايا المستجدة في التقنية والمعاملات المالية، فعلى سبيل المثال، تجد أن الحقوق والجرائم المعلوماتية قد تكون أسوأ وقد تسبب من الضرر والأثر ما يفوق بعض الجرائم مثل السرقة والقذف باللسان وغيرها الجرائم المعروفة، وهذه الجرائم تتنوع في صورها وأشكالها. ونجد اليوم أيضا أن البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية توسعت بشكل كبير. ففي الوقت، الذي تعاني فيه هذه المؤسسات قلة الكفاءات، نجد أن هذه الكليات تخرج كثيرا من الأشخاص الذين لا يجدون عملا يناسبهم، وهذا أيضا موجود على مستوى المحاماة والوظائف القضائية المساندة ما يمكن أن يوفر لهم فرصا وظيفية كبيرة.
لا شك أن الذين يتقدمون لدراسة العلم الشرعي يكون ذلك بغرض التقرب إلى الله، والمال في الأساس ليس هدفا، لكن هذا الجهد يكتمل بأن يمارس عملا يقدم فيه خدمة لمجتمعه وأمته، ولذلك من المهم الاعتناء بتهيئة خريجي أقسام الشريعة لتخصصات تعزز تنافسيتهم وتلبي حاجة سوق العمل، سواء في البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية للعمل في الهيئات الشرعية والرقابة الشرعية والاستشارات في هذا المجال. وفي قطاع القضاء أيضا في وظائف مثل المحاماة، والوظائف القضائية المساندة مثل الصلح، وغيرها. وتحقيق ذلك قد يكون بصور مختلفة منها وضع مسارات في أقسام الشريعة أو إنشاء أقسام متخصصة، ومن خلال البرامج التعاونية مع القطاع الحكومي والخاص مثل وزارة العدل، وهيئة التحقيق والادعاء العام والمؤسسات المالية، ومكاتب المحاماة. إضافة إلى برنامج لتطوير البرامج الأكاديمية لتراعي المهارات التطبيقية، للطالب ليتمكن من الحصول على المعلومة والقدرة على تطبيقها على المسائل التي يواجهها.
الخلاصة أن الكليات الشرعية اليوم في مرحلة تحتاج إلى مزيد من التطوير للاستمرار في أداء دور متميز في تلبية احتياج المجتمع، وكي تتعاطى مع التطورات والمتغيرات التي تشهدها حياتنا اليوم.