هل تفسر التغيرات بالاقتصاد فقط؟!
باستعراض الأحداث التي مر بها العالم ويمر بها والحروب التي تنشأ بين الأمم أو الخلافات التي تدب بين مجموعات داخل مجتمع واحد نجد أن هناك قواسم مشتركة تجمع بين هذه الأحداث وهذه التغيرات حتى إن طالت المدد الزمنية التي تفصل بينها، ومهما اختلفت المجتمعات أو الدول التي توجد فيها أو بينها هذه الأحداث أو هذه التحولات.
باستعراض تاريخي منذ أن وجدت البشرية يجد المرء أن العامل الاقتصادي يمثل عاملاً أساساً لهذه النزاعات أو لهذه التغيرات، ذلك أن الناس في السابق كانوا يتنافسون ويتحاربون فيما بينهم، حتى إن كانوا أقارب أو جيرانا، على موارد المياه والمراعي، ذلك أنه بهذين العنصرين تسير أمورهم وتقوم حياتهم، وبدونهما قد يتعرضون لمخاطر الهلاك، ومع تطور الزمن وظهور مصادر اقتصادية كالبترول والمعادن وغيرهما من المواد الخام أصبحت هذه العناصر مصدراً للخلافات والحروب والنزاعات، كما أن الوضع الاقتصادي لبلد من البلدان قد يكون سبباً في الاستقرار والاطمئنان والتلاحم بين مكونات المجتمع، أو قد يكون سبباً للخلافات ويؤدي إلى تغيرات جذرية في بنية المجتمع والعلاقات بين مكوناته. ولعل ما شهده العالم العربي خلال السنة الماضية ولا يزال يشهده خير مثال على أن الوضع الاقتصادي المتردي في الدول التي حدثت فيها هذه التغيرات كان سبباً رئيساً ومحركاً لشعوب هذه الدول لتغيير أوضاعها والارتقاء بها نحو الأفضل والعيش بكرامة بدلاً من العيش في بؤرة الفقر والبطالة. هذا مثال على دور الاقتصاد في التغيرات الداخلية، أما أثره في العلاقات البينية فالحروب التي تشنها دول على دول أخرى كما فعلت الدول الغربية حين استعمرت دول أخرى وشنت عليها حروباً طاحنة حتى أخضعتها لسيطرتها ومن ثم نهب واستغلال خيراتها. ولعل أقرب مثال حرب أمريكا على العراق التي محفزها الأساسي العامل الاقتصادي بهدف الاستفادة من ثروات العراق الطبيعية.
العنصر الثاني من عناصر التغيير الداخلي أو العداوات والحروب البينية هو الجانب العقدي وما يلحق به من ثقافة وقيم تمثل في مجموعها سمات قد تميز مجموعة عن المجموعة الأخرى أو مجتمعا من المجتمعات الأخرى، والشواهد والأمثلة على هذا الأمر كثيرة، فالحروب الصليبية والخلافات والحروب المذهبية بين طوائف الأديان المختلفة كلها أمثلة على أن العقائد والقناعات التي توجد عند من يؤمن بعقيدة ما تقوده إلى أن يدافع عنها ويسعى للذب عنها مهما كلفه ذلك من أمر. وأقرب مثال نستشهد به احتلال اليهود فلسطين وطرد أهلها وشن حروب على الدول العربية بدافع عقدي، حيث إن الحركة اليهودية العالمية رسمت خططاً للاحتلال بناءً على مرتكزات عقدية يرون من خلالها أن فلسطين هي أرض الميعاد التي وعد الله اليهود. كما أن الخلافات بين المسلمين الهنود والهندوس وهدم مسجد بابري قبل سنوات شاهد آخر على الدور الذي تلعبه العقيدة في تحريك المشاعر والنزاعات بين الطوائف المختلفة.
العنصر الثالث من عناصر عوامل التغيير ومحفزاتها التقنية التي أبدعها الإنسان وأسهمت في تسهيل التواصل بين الناس والمجتمعات، فالفضائيات وما تبثه من صور حية أسهمت بشكل واضح في تغيير المجتمعات، فبدلاً من مجتمعات معزولة لا تعرف عن المجتمعات الأخرى شيئاً، وكذلك الأمر بالنسبة لها لا يعرف عنها شيئا أصبحت أوضاع المجتمعات بإيجابياتها وسلبياتها مكشوفة للجميع ولم يعد بالإمكان إخفاء أشياء وإظهار أشياء، بل أصبحت كل الأوراق مكشوفة، وهذا يشجع الأطراف الداخلية والخارجية على التحرك بهدف إحداث التغيير الذي يخدم قطاعاً كبيراً من المجتمع أو فئات منه. إن رصد الحدث أولاً بأول كما يحدث في سورية التي يتعرض شعبها للقتل، ومدنها للتدمير، لم تعد مخفية ولا يعلم بها إلا من هم في الداخل كما حدث عندما تم تدمير حماه في الثمانينيات، لذا من خلال هذه التقنية يتم نقل الأخبار، ويتم التنسيق بين الناس حتى إن بعدت المسافات.
هذه العناصر الثلاثة تمثل حجر الزاوية في التغيير، لذا لا بد من أخذها في الاعتبار عند التعامل مع المتغيرات والأحداث سواء كانت داخلية أو دولية.