اللغة العربية.. بين مخالب الفضائيات!

أهدي مقالي هذا إلى الدكتور محمد بن علي العقلا مدير الجامعة الإسلامية، وإلى اللجنة المشرفة على مؤتمر ''اللغة العربية ومواكبة العصر''، الذي سيُعقد في رحاب الجامعة الأسبوع القادم.. مقترحاً أن يكون من بين اهتمامات المؤتمر بحث التأثير السلبي لبعض الفضائيات العربية في اللغة العربية، حيث أصبحت تقدم جميع موادها بما فيها نشرة الأخبار باللهجة العامية للبلد الذي تبث منه القناة.. ولذا انقلب الفقر إلى (فأر).. والمقال إلى (مآل) والقلب إلى (ألب) وهكذا.. ولقد كتبت منذ سنوات مقالاً حول فكرة إيجاد ''لجنة لأصدقاء اللغة العربية''، فرد عليّ أحدهم قائلاً: وهل اللغة العربية مريضة حتى تقترح لها لجنة على غرار ''لجنة أصدقاء المرضى؟''، وكان جوابي له: نعم.. إنها مريضة تماماً مثل ''ليلى العراقية'' التي تمنى شاعرنا العربي أن يكون هو الطبيب المداوي لها، بينما لغتنا الجميلة لم تجد مَن يتبرّع بعلاجها.. ولذا فقد هانت على الآخرين وعلى أهلها أيضاً!!
ولو أردنا أن نستعرض تاريخ وأسباب تدني اهتمامنا باللغة العربية لوجدنا أنه بدأ منذ ما يزيد على أربعة عقود فقط.. فقبل هذا التاريخ كان مدرس اللغة العربية في المدرسة الابتدائية جهبذاً من جهابذة اللغة.. ''يشطر الأبيات ويؤلف الأمثال'' ويطلب منا نحن الطلاب أن نتحدث بلغة عربية سليمة.. ثم في منازلنا.. كان آباؤنا - ومنهم والدي - رحمه الله - الذي كان مهتما باللغة العربية، فكم من مرة طلب مني أن أعرب آية من آيات القرآن الكريم.. وهذه من أصعب أنواع الإعراب والنحو.. ثم في مكاتبنا ومجالسنا كانت المناقشات والمسامرات حول اللغة العربية وآدابها.. نثراً وشعراً.. ففي مكتب جريدة ''المدينة'' في الرياض، حيث عملت في أول مشواري الصحافي كانت تعقد ما يشبه الندوة الأدبية يومياً.. فيلقي الشعراء شيئاً من إنتاجهم ويستمع النقاد باهتمام.. ثم حينما يطلب عبد السلام إبراهيم.. وهو ناقد عراقي من أيوب طه وهو شاعر فلسطيني أن يعيد بيتاً من الأبيات مرة أخرى يعلم الشاعر أن البيت فيه خلل من حيث الوزن فيغضب قليلاً، لكنه يعود ليأخذ بالملاحظة ويصحح الخطأ!!
وفي مدينة الرياض.. وغيرها من مدن المملكة تقام الأمسيات والندوات.. ليس لطرح موضوعات جدلية وخلافية كما هي الحال الآن.. وإنما لسماع شعر أصيل ونقد بلغة عربية سليمة.. يستفيد منها الجميع.. وحتى برامج الإذاعات كانت غنية ودسمة ويكفي أن يستمع المرء إلى برنامج ''قول على قول'' للأستاذ حسن الكرمي في إذاعة لندن أو لبرنامج ''من القائل'' من إذاعة الرياض للأستاذ عبد الله بن خميس - رحمه الله - ليشعر بالفخر والاعتزاز بلغته العربية وبالشعر العربي الفصيح قديماً وحديثاً.. وفي المكتبات تجد الإقبال على الكتب المكتوبة بلغة عربية سليمة على عكس ما هو حاصل الآن من إدخال للعامية في المقالات والكتب والإعلانات وحتى لوحات المحال التجارية!!
وأخيراً: أين مجامع اللغة العربية التي انشغلت في زمن مضى بتعريب كل شيء حتى وصلت إلى ''الشاطر والمشطور وبينهما طازج''. نريدها اليوم أن ترفع لواء الدفاع عن اللغة العربية في وجه الهجمة الشرسة.. والتكسير المتعمد لأضلاع أبي الأسود الدؤلي وسيبويه والخليل بن أحمد في قبورهم.. نريد أن تعود تلك الفتاة الأعرابية الصغيرة لتقول لأبيها الذي أوقفها ممسكة بقربة ماء ''أبي .. أدرك فاها.. قد غلبني فوها.. لا طاقة لي بفيها''.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي