رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


طفرة الأطفال وفرص الاستثمار في المؤسسات الصغيرة

هل أنت على وشك إطلاق مشروعك الصغير الأول.. هل تفكر في ذلك؟ لم يعد التمويل مشكلة المنشآت الصغيرة كما كان قبل عقد من الزمان، فلقد توافرت اليوم وعلى نحو غير مسبوق الكثير من قنوات التمويلية بدءا من التمويل البنكي وحاضنات الأعمال حتى برامج الدعم الخيرية التي يقودها عدد من رجال الأعمال، ولعل المشكلة الحقيقية التي بقيت تواجه الراغبين في دخول عالم الأعمال من بابه الصغير اختيار المشروع وأي اتجاه تجاري يسلكون. ورغم أهمية هذا القرار وخطورته، ليس على المغامرين الجدد، بل حتى الممولين بتنوعهم، إلا أن الإرشادات عند هذا المستوى قليلة جدا، بل تبدو شحيحة. هناك دورات تدريبية تقام بين الحين والآخر، لكنها غير منظمة ومكررة وعند مستويات متقدمة كدراسات الجدوى وإدارة الأعمال والمحاسبة (أي ما بعد اختيار المشروع). من الغريب عدم وجود - على حد علمي - مجلات متخصصة ترعاها الغرف التجارية أو المؤسسات العلمية بتنوعها، خاصة الجامعات الخاصة التي نذرت نفسها لعالم الأعمال وتربي أجيالا لذلك. فهذه وزارة الاقتصاد في الإمارات تعلن قبل أشهر قليلة صدور العدد الأول لمجلة متخصصة في تنمية ثقافة الأعمال في قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة سمتها (مشاريع الأعمال)، وهناك مجلات عالمية أخرى منها مجلة Open Forum المتخصصة في مجال الأعمال الصغيرة والممولة شركة أمريكانا إكسبرس.
هذه المجلة الأخيرة تقدم الكثير من المعلومات الرائعة عن اتجاهات المشاريع الصغيرة في الولايات المتحدة، وذلك بشكل عام وداخل كل قطاع بشكل أكثر تفصيلا. ولعلي أقتطف بعض ثمار تلك المجلة في هذا المقال حول Baby Boom ''طفرة الأطفال''. وهذا مصطلح قديم ظهر بعد الحرب العالمية الثانية عندما ولد الملايين من الأطفال في أوروبا. واستطاع المغامرون من رجال الأعمال ركوب تلك الموجة بنجاح كبير، وأصبحت أكثر الأعمال نجاحا في تلك الحقبة هي التي تتبعت الطلب الذي خلقته تلك الظاهرة من المواليد وتطورت مع تطورها. ففي بداية ظهورها كان أهم نشاط (تجاري أو صناعي، أو خدمي) هو ما يتناسب مع مستلزمات الأطفال، ولعل أهم الثورات الفكرية في حماية الأطفال ظهرت مع تلك الحقبة، ثم تحولت هذه الظاهرة إلى شباب مع الستينيات من القرن الماضي وكانت أكثر فترة في شباب أوروبا ظهرت معها صيحات الموضة والأفلام السينمائية وغيرها، ثم تحولت هذه الظاهرة إلى كبار السن مع نهاية الثمانينيات والتسعينيات، لذا سميت أوروبا بالقارة العجوز ليس لقلة إنجاب الأطفال كم يعتقد البعض، بل لزيادة نسبة كبار السن، ومن قام بزيارة أوروبا خلال تلك الفترة سيندهش من تنوع المنتجات الخاصة بكبار السن وحجم الاستثمار فيها.
هذه الظاهرة Baby Boom عاودت الظهور (بحسب مقال Open Forum) في الولايات المتحدة مع نهاية الثمانينيات من القرن الماضي عندما حدثت ملايين من حالات الولادة في عام واحدة، واستمر التعداد في التزايد من ذلك الوقت حتى عام 2010. وبذلك شكلت اتجاها جديدا للأعمال الصغيرة والمتوسطة وفرصة لمن يريد أن يخلق ثروة على غرار تجربة أوروبا. ولقد حدد المقال ثلاثة اتجاهات مناسبة الآن للقيام بأعمال تجارية تتناسب مع هذه الظاهرة التي تخلق طلبا فاعلا على المنتجات التي تناسبها. ومن أهم هذه الاتجاهات التي ذكرها المقال ''خدمات الزواج''، حيث إن نسبة كبيرة من جيل هذه الظاهرة أصبحوا الآن في سن الزواج، ومنتجات ''دعم'' التعليم وتطوير الذات''، وكذلك منتجات تتعلق بالترفيه والمحال التي تهتم بالرشاقة وكل ما له علاقة بجيل الشباب.
إن هذه المؤشرات الجغرافية الاجتماعية Social Geographic مهمة جدا في صناعة اتجاهات تجارية سليمة للمؤسسات الصغيرة، بل حتى توجيه موارد الدولة نحو الاحتياجات الأكثر إلحاحا لمجابهة الطلب الفاعل الناتج عنها. وهذا دور مهم للمؤسسات العلمية والمتخصصة مثل الجامعات والكراسي البحثية والغرف التجارية. فليس مطلوبا من شاب مقبل على مغامرة لفتح مؤسسته الصغيرة أن يبحث بنفسه عن هذه الاتجاهات، بل يجب أن توضع أمامه مباشرة، وأن يتم توجيهه لها، بدلا من المغامرات غير المحسوبة أو تكرار المشاريع التي لم يعد المجتمع يطلبها.
منذ مدة طويلة ونحن نواجه طفرة أطفال ولم نقر بها إلا عندما أصبحت هذه الفئة شبابا لهم طلبات يعبرون عنها بعنف أحيانا. مع ذلك فإننا لا نقرأ بحرص تحرك هذه الطفرة لمجابهة الطلب الناتج عنها، وقياسا على دراسات سابقة كثيرة فإن الظاهرة اليوم الأكثر إلحاحا والناتجة عن هذه الطفرة هي طلبات التعليم و''تمويله''، والسكن والزواج، ومطاعم الوجبات السريعة ومستلزمات التجميل، ذلك أن هذه الفئة العمرية وصلت إلى هذا النوع من الاحتياجات. ومع الأسف - لم نكن - في جزء منها - على استعداد تام لها وستستمر هذه المشكلات في التصاعد والتأزم ما لم نجد حلا عاجلا بصياغة مفاهيم جديدة لطرق الزواج والسكن الميسر جدا، وإلا فإن هذا الجيل سيفشل في تخطي الأزمة وسينتج جيلا خطيرا كما حصل في دول عربية مجاورة. ومن المهم أيضا معرفة أن هذه الفئة العمرية ستكون لها طلبات مغايرة في قابل الأيام مع تقدمهم في السن، وذلك بحسب قدرتنا على حل المشكلات القائمة. فاتجاهات الطلب المستقبلي نحو السياحة والسفر سيتم حسمها هذه الأيام، فإذا استطعنا أن نوجد حلا سهلا للسكن الميسر (مثلا مفهوم المباني الرخيصة التي تنجز في أشهر قليلة)، فإن الطلب القادم سيكون لتعليم أطفال هذه الفئة وللسفر والسياحة، أما إذا فشلنا في ذلك فإن علينا دفع ما استطعنا توفيره اليوم في حل مشكلات تصاعد الجريمة والعصابات المنظمة وتفاقم الأمية في المستقبل.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي